آخر المستجدات

المدرسة الدامجة، الثقافة والتكنولوجيا الرقمية…

إذا كانت المدرسة العادية تعيش في ظل التحولات الكبرى التي يعرفها العالم تحديا كبيرا. فهي من جهة أمام مجتمع المعرفة، الذي أصبحت تظهر فيه معارف جديدة باستمرار، وكم هائل من المعلومات، التي تتجاوز بكثير مجموع ما تقدمه المدرسة من معارف من خلال موادها الدراسية وأنشطتها التربوية، الفنية، الثقافية، الاجتماعية والرياضية، والتي لم تعد تكفي لتغطي المعارف الضرورية لإنسان القرن الواحد والعشرين. ومن جهة أخرى تجد المدرسة نفسها أمام المجتمع الرقمي الذي أصبح فيه الرقمي ظاهرة ثقافية واجتماعية تبصم أنشطة الإنسان اليومية وتمثلاته للعالم: تمثل الفضاء والزمان، علاقته بالآخرين، طريقة تفكيره، طرق اشتغاله وولوجه للمعرفة، وأيضا أساليب إنتاج ونشر المعرفة.

ذ/محمد مزاني*

فما هو حال المدرسة الدامجة؟ وماهي الأدوات التي تحتاجها مصلحة التربية الدامجة في عالم المعرفة الرقمي لتحقيق الدمج؟
كيف يمكن الاستفادة من التكنولوجيا الرقمية والثقافة الجديدة، لإرساء مدرسة دامجة؟ وماهي الجاهزية اللازمة لمواجهة مختلف العراقيل والحواجز التي تعيق دمج الأطفال في وضعية إعاقة؟ ماذا عن التمثلات الاجتماعية التي من شأنها عرقلة وثيرة إرساء المدرسة الدامجة؟ إننا لا ندعي التوفر على الإجابات حول الأسئلة المطروحة، ولا حول التحديات التي تواجه مصلحة التربية الدامجة في العصر الرقمي. نسعى لفتح النقاش حول هذا الموضوع الذي أصبح محوريا في التربية والتعليم، وحتى في حياة الأفراد والمجتمعات.

المدرسة، الثقافة والتكنولوجيا الرقمية

لقد أدى تطور المعرفة وانتشار التكنولوجيا وتطبيقاتها التقنية في مجتمعاتنا اليوم، إلى الإقرار باستحالة الاستغناء عنها، وبكونها المحرك الرئيسي للتحولات المتعددة في طبيعة الإنسان وانتقاله من عصر إلى آخر. نحن اليوم أمام معارف وتطبيقات تقنية تتسارع باطراد في مختلف المجالات والميادين، مما يؤدي إلى تغيير وتحول كبيرين في حياة الإنسان والمجتمع. لقد تغيرت عادات الناس، ونماذج العمل، وأساليب “التواصل الاجتماعي”، وحتى نظرة الإنسان لنفسه ومحيطه، لحاضره، ومستقبله. إنها ثقافة جديدة تتطلب من المدرسة تفاعلا واضحا. فالمدرسة يلزمها الاضطلاع بأدوار ثقافية، في سياق من التحولات المتواصلة التي تنتجها التكنولوجيات الجديدة باعتبارها أدوات للتعلم واكتساب المعرفة، وبصفتها أشكالا جديدة من الوساطة الرامية إلى إنتاج طرق وممارسات ثقافية جديدة(1)
إن تشجيع الثقافة في المنظومة الوطنية للتربية والتكوين، أصبح أمرا مستعجلا إذا حرصنا على إرساء المدرسة الدامجة، ومن خلالها فتح منافذ نحو المجتمع الدامج. إنه تحويل مركز الاشتغال من الطفل الذي كان عليه أن يتكيف مع بيئته المدرسية، إلى هذه الأخيرة التي يجب عليها أن تتكيف مع طبيعة مرتاديها واحتياجاتهم الخاصة.
إن بناء المدرسة الدامجة، التي تستقبل جميع الأطفال كيفما كانوا، وتقدم لهم تعليما ذي جودة في العصر الرقمي، يتطلب من جهة إعطاء الأهمية لتطوير الوظيفة الثقافية للمدرسة ودورها في الإدماج الاجتماعي للتلاميذ، ومن جهة ثانية جعل التكنولوجيا الرقمية في خدمة التربية الدامجة. وهو ما يتطلب من المدرسة على الخصوص، جهدا مضاعفا لتجنب صدام الثقافات من جهة، وربط تواصل سلس بين الأجيال ومواكبة كل تغيير من جهة ثانية. فتعميم تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في التعليم، مدخل أساسي لترسيخ المعرفة الرقمية، والرقي بالأداء المهني للمدرسين، وتطوير مهارات المتعلمين في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، ومن تم تحسين جودة التعلمات وتأهيل الناشئة لولوج مجتمع المعرفة(2). لقد اتضحت أهمية التكنولوجيا الرقمية منذ أن تم توقيف الدراسة لأسباب احترازية – تفادي تفشي فيروس كورونا المستجد- وانطلاق التعليم عن بعد، والتي تجسدت معها ثقافة جديدة، لن تكون عابرة بكل تأكيد. إن الحجر الصحي الذي يعيشه المغرب فرض وسيفرض تغييرا وتحولا كبيرا في طرق وأساليب التدريس، وهو ما بدأ يتجسد في التعليم عن بعد، والذي شكلت فيه التكنولوجيا الرقمية القلب والقالب. إن الحاجة إلى توظيف الرقمي في التربية والتعليم بشكل جاد لفائدة المتعلمين عموما والأطفال في وضعية إعاقة بشكل خاص أصبح محسوما. فالمتتبع للأحداث الأخيرة والتي شكلت فيها جائحة كورونا المستجد الموضوع الرئيسي عالميا، لا يمكنه بأي حال أن يفصل عنها، وسائل الاتصال والإعلام، التكنولوجيا وأدواتها، والتي من خلالها تغيرت معها كثير من عاداتنا، ومعها ستتغير لا محالة الكتابة والقراءة، لتأخذا بعدا آخر وأشكالا مختلفة -الكتابة والقراءة الرقمية-، حيث ينفصل المحتوى عن الوعاء والدعامة. وهنا نحن أمام ثقافة جديدة تغير معالم هذا العالم، وبالتالي تغير كثيرا من أفعالنا وسلوكياتنا، وتصرفاتنا، وطريقة وصولنا إلى المعلومة وطريقة إرسالها. وبكل اختصار نحن أمام ثقافة يمكن تسميتها بالثقافة الرقمية التي تعيد تشكيل المعرفة في أشكال وقوالب جديدة.

المدرسة الدامجة وإدماج التكنولوجيا الرقمية

انطلاقا من كون:
■ التكنولوجيا قد غزت حياتنا وأصبح من المستحيل الاستغناء عنها، والتكوين على هذه التكنولوجيات الجديدة أصبح ضرورة تفرضها الحاجة والتنافسية في عالم تحكمه العولمة، كما يقتضيها إدماج ناشئتنا في مجتمع الإعلام والمعرفة(3)
■ المعلوميات يمكنها أن تمهد السبيل نحو اعتماد مقاربات بيداغوجية أخرى، وتمكن من تتبع أفضل لبعض الفئات من التلاميذ في المناطق المعزولة أو في وضعية إعاقة(4)
■ التطور المستمر للمعرفة وتطبيقاتها التقنية هو المحرك الرئيسي للتحولات المتعددة في طبيعة الإنسان وانتقاله من عصر إلى أخر.
■ المدرسة أصبحت ملزمة بتوفير عرض تربوي وخدمات تربوية دامجة، تمكن الأطفال في وضعية إعاقة من أن يجدوا مقعدهم الدراسي ضمن الفرص الممنوحة لباقي الأطفال/التلاميذ، سواء كان ذلك على مستوى الإطار المادي من بنيات تحتية وولوجيات وميسرات، أم كان على مستوى الإطار التربوي من برامج ومضامين دراسية، أم كان على مستوى صيغ التنظيم التربوي والزمني المكيفين مع خصوصيات الإعاقة، وكذا المقاربات البيداغوجية الملائمة لقدرات هؤلاء الأطفال وإمكاناتهم في التعلم.

فإن إدماج التكنولوجيا الرقمية أصبح من المسلمات، وما على المدرسة إلا العمل الجاد للقطع مع الممارسات القديمة، والانخراط في عالم المعرفة الرقمي. وهو ما يدعو مصلحة التربية الدامجة لاستغلال الرقمي على الأقل في بداية مشوارها إلى جمع وتخزين المعطيات الخاصة بجميع المتعلمين بما فيهم الأطفال في وضعية إعاقة وخلق بنك معلومات بتنسيق مع الجماعات الترابية، السلطات المحلية، والمصالح الطبية. وهو أيضا عمل واع يهدف إلى أن يتوفر المدرس(ة)، باعتباره دينامو تفعيل الدمج المدرسي داخل المؤسسة التعليمية لاتصاله المباشر بالمتعلمين المستفيدين من هذا الدمج، ولكونه الخيط الناظم بين مختلف المتدخلين والفاعلين الآخرين ومنسق مختلف التدخلات(5)، على مهارات استخدام التكنولوجيا الرقمية في التدريس، نظرا للدور الموكول له في التربية والتعليم ومتابعة المتعلمات والمتعلمين وتنمية مهاراتهم.
إن التكنولوجيا الرقمية قد غيرت كثيرا من عاداتنا اليومية. وهو ما ينطبق أيضا على الأشخاص ذوي الإعاقة، فهذه التكنولوجيا بمقدورها التصدي ومعالجة عدد مهم من المشاكل المرتبطة بذوي الإعاقة، وبإمكانها إدماجهم في مجتمع المعرفة والإعلام.
من البديهي أن يتحقق الدمج باستبعاد كل أشكال التمييز. وإذا كان الدمج من خلال منظور التربية الدامجة، حقا من الحقوق الأساسية للأشخاص في وضعية إعاقة، فإن تجسيد ذلك على أرض الواقع يتطلب من كافة مكونات المجتمع وشرائحه تغيير التمثلات السلبية التي تحملها حول الإعاقة، كيفما كان نوعها. ورفع كل الحواجز التي يمكن أن تعترض استفادة هذه الشريحة من الأفراد من حقها في التعليم والتكوين، وولوجها مجالات المعرفة، وارتقائها الاجتماعي في إطار الإنصاف وتكافؤ الفرص. وبإمكان مصلحة التربية الدامجة القيام بأدوار رائدة تمكن الأطفال في وضعية إعاقة وذوي الاحتياجات الخاصة من الاستفادة من تعليم جيد وأن يحضوا باعتراف وقبول من طرف جميع مكونات المدرسة. إنها ثقافة جديدة بأدوات التكنولوجيا الرقمية.
* مدير ثانوية / بمراكش 
————————–
(1)- المدرسة، التكنولوجيات الجديدة والرهانات الثقافية، تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، إحالة ذاتية رقم 17 / 2014 . ص 11
(2)- المذكرة الوزارية رقم 1895-3 بتاريخ 5 ابريل2016 في شان تعميم تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في التعليم
(3)- المدرسة، التكنولوجيات الجديدة والرهانات الثقافية، تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، إحالة ذاتية رقم 17 / 20 .ص12
(4)- نفسه .ص15
(5)- مفكرة للمديرين الجهويين والإقليميين للتربية والتكوين. تنزيل البرنامج الوطني للتربية الدامجة لفائدة الأطفال في وضعية إعاقة. ص9

أترك ردا أو تعليقا مساهمة منك في إثراء النقاش

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: