آخر المستجدات

الآباء وإشكالية تنزيل التعليم الرقمي…

مع التنزيل الاضطراري والمباغث للتعليم عن بعد، كان لابد أن تتفاعل معه فاعليات مجتمعية مدنية كثيرة، متابعة أو مسؤولة ومهتمة. ولعل جمعيات آباء وأمهات وأولياء التلاميذ ذات الصلة التمثيلية القريبة، معنية ربما أكثر من غيرها بهذا المستجد على مستوى المنظومة التعليمية.

ذ / خليل غول*

لقد عملت جمعيات آباء وأمهات التلاميذ، على متابعة الوضعية الأزمة التي أصبح الأبناء (التلاميذ)، بل ومختلف فئات المجتمع، بموجبها رهينة حجر صحي، كإجراء احترازي أمام الوباء الفتاك الذي غزا جل دول العالم. وبالطبع لم يستثن بلدنا. بناء عليه قررت الوزارة الوصية عن التعليم، إنقاذ ما يمكن إنقاذه من خلال الانتقال من التعليم الحضوري، إلى التعليم عن بعد أي، تعليم رقمي يتوجه إلى التلاميذ عبر منصات في بيوتهم لبث دروس في القنوات التلفزية ووسائل التواصل الاجتماعي. داعية الآباء والأمهات والأولياء عموما، إلى الانخراط في هاته السيرورة، ومواكبة كل التدابير التي تتخذها الوزارة، بغية مواصلة الدراسة، وبالتالي إنقاذ السنة الدراسية.
إن متابعة الآباء لأبنائهم ليست بالأمر الهين. خاصة أمام انشغالاتهم خارج المنزل أو أمام الذين لا مستوى فكري معرفي أو ثقافي لهم. إن الأبناء وجدوا أنفسهم أمام برمجيات متعددة لتلقي الدروس في البيوت واستكمال فقرات المقرر المتبقية، في مختلف المواد، والموجهة إليهم من قبل أساتذتهم.
إن هذا التدبير الاضطراري والاستثنائي من الوزارة جعل الآباء يستاؤون، رغم أنه لا خيار ولا بديل عنه، والوضعية الأزمة جراء تفشي عدوى كورونا تستلزمه.
إن استياء الآباء، له ما يبرره، على اعتبار أن المنظومة التعليمية غير مؤهلة لاعتماد التعليم الرقمي. والوزارة لا تمتلك في الأصل، العدة اللازمة له، سواء داخل المؤسسات، أو تكوين الأطر المناسبة لهم، أو فيما قد يحصل من عدم تفاعل الأبناء مع هذا النموذج الجديد بالصورة المتوخاة. إضافة إلى أن عددا لا يستهان به من الأساتذة، لا تجربة لهم في هذا النوع من التعليم، أو في التواصل الجديد مع تلامذتهم، أو هم غير مؤهلين له على الأقل، في الوقت الحاضر. إلى جانب كونه مجردا من الوازع الوجداني البين إنساني المباشر بين الأستاذ وتلامذته.
إن مجموعة من الأسر يعوزها امتلاك أدوات التحصيل من هواتف ذكية أو حواسيب بل وتكلفة التعبئة. دون نسيان أن بعض الأسر تتواجد في أماكن، يتعذر فيها الحصول على صبيب الأنترنت. ومنها من لا دراية لها بهذا المجال إطلاقا. دون تجاهل أن فئات عريضة لا تضمن قوت يومها، فكيف بها أن تنخرط في عالم بعيد عنها.
يعني هذا أن التلقين الرقمي لا يعتبر الفوارق الاجتماعية، ولم يأخذ بوضعيات الهشاشة لفئات ضعيفة عريضة. وكأن الأمر سيان بين كل التشكلات والطبقات الاجتماعية. لذلك اعتبرت بعض جمعيات الآباء، أن هذا نوع من التعليم نخبوي، يتوجه لمن يمتلك العدة والإمكانيات، بل والمعرفة. إن الشرخ عميق بين الطبقات الاجتماعية، وبالتالي مصير أبناء الفقراء والمستضعفين، سيفوتهم الركب، ونتائج مواكبتهم وانخراطهم، ستكون غير معتبرة بكل تأكيد !
إن بعض الآباء لم يتمكنوا من تسجيل أدنى حضور في الدروس الرقمية إلى جانب أبنائهم، لا ذهنيا أو معرفيا أو وجدانيا. وهم مطالبون، رغم وضعياتهم هاته الانخراط في هذا النموذج التعليمي. إن التواصل التربوي المدرسي بين الأستاذ وتلامذته، مع هذا المستجد، انتقل إلى الآباء مع أبنائهم (تلاميذ)، خصوصا مع من يتواجد في مستوى السلك الابتدائي والذين هم في حاجة إلى الأخذ بيدهم. ولكن ماذا سيحصل، إذا كانت الأسرة لا تكوين مدرسي لها !؟
فبالنسبة لتلاميذ الابتدائي لا يمكن أن يحصل التواصل معهم إلا عن طريق الآباء. وهي مهمة يجب أن ينخرطوا فيها تجاه أبنائهم، وبالتالي فهو أمر لا مناص منه، لمساعدتهم والأخذ بيدهم في كل فقرات وفترات الدروس. أو بتحفيزهم وخلق الأجواء الملائمة ليتمكنوا بالمتابعة والتحصيل. كي لا يحصل لهم الملل أو النفور، تجاه ما تقدمه الوسائط الرقمية تبعا لمستوياتهم وقوة حضورهم بالبيت.
يبدو بالملموس أن معاناة الآباء إلى جوار أبنائهم في فترة الحجر تفاقمت، خصوصا لدى الفئات الهشة وغير المتعلمة. إذن هل هذه الشريحة غابت وضعيتها عن الوزارة المسؤولة عن القطاع. ولم تحرص بالتالي، على دمقرطة التعليم الرقمي، والتفكير في إقرار تكافؤ الفرص بين كل المتلقين، لتحقيق عدالة اجتماعية ومدرسية بين كل الفئات المتمدرسة. ألم تفكر في صيغ لا تميز الطبقات الميسورة أكثر من غيرها !؟
مسألة الهشاشة، والبادية لم يتحقق فيها التعليم عن بعد، بالشكل الذي تحظى به الفئات الميسورة وتلاميذ وطلبة المدن والحواضر. دون تجاهل أن هناك فئات هامة من تلاميذ الابتدائي قد لا تحسن، إن لم نقل لا تتمكن من استعمال الهواتف، خصوصا الصغار منهم. ويزداد الأمر حدة إذا كان الآباء يعانون من نفس الوضعية.
يبدو إذن أن لا خيار هنا، إلا انتظار فترة رفع الحجر الصحي ليتمكن التلاميذ من العودة إلى مؤسساتهم واستئناف التحصيل في التعليم الحضوري. وهم متخلفون طبعا عن غيرهم ولم يستفيدوا أو ليسوا في مستوى غيرهم من المحظوظين.
إن جمعيات الآباء تفكر في كيفية التقليل من الانعكاسات السلبية على المتمدرسين، جراء آليات الالتقاط، أو ما يمكن أن يمس بصحة المتعلم (الابن) سواء على فكره، عيونه مزاجه وتركيزه، بل وكيانه النفسي عموما. إلى جانب المعرفة نفسها. ناهيك عن أجواء المنزل العامة، وما قد يحصل فيه من تشويش أو غياب الجو الملائم والمساعد، أو استفادة إخوة آخرين من الأجهزة إذا ما توفرت، وغير هذا من الإكراهات التي تنضاف إلى الحجر الصحي.
يعترضنا سؤال هام في هذا الصدد: هل المجتمع المغربي مجتمع في كليته مجتمع للمعرفة والتكنولوجيا والتواصل الرقمي؟
يبدوا أن القسم، وبكل تأكيد هو الفضاء الأنسب للمعرفة والتلقي. وكل بديل عنه، تصاحبه إشكاليات تحد بشكل لو بآخر من إمكانيات التدريس والتحصيل المأمولين. لا نشك بأن هناك ضغطا نفسيا كبيرا على الأبناء في هاته المرحلة، كفقدانهم لحريتهم المعتادة واختلاطهم العلائقي مع أقرانهم، في فضاء المؤسسة أو خارجها أيضا، والتفاعل الوجداني في ما بينهم وبين أساتذتهم. قد لا نستغرب إن أصبح التلميذ يحن وبشوق كبير إلى التعليم الحضوري. إن الضغط النفسي الذي يمكن أن يعانيه التلميذ أمام إلزامية بقائه في البيت وأجوائه ومتابعة الدروس الرقمية اليومية، يمكن أن تكون في مجملها غير مناسبة لهم وذلك لاعتبارات كثيرة، تتمثل في تخوفه من الوباء وانتشاره أو إصابته. وهو يترقب الأعداد اليومية للإصابات وللمتوفين. وضعية تخلق لديه الإحباط، الخوف، القلق واليأس. وغياب التركيز. وحالات أخرى. لذلك قد لا نبالغ إذا كانت هناك نسبة هامة من التلاميذ، ربما تكون غير محفزة لمتابعة الدروس عن بعد. خاصة أمام جهل أو أمية الآباء. وهو أمر صعب وشاق. وقد لا يسلم منه الآباء أنفسهم وهم يحاولون، إذا ما تمكنوا من تقديم مساعدات لأبنائهم. لذلك كان على الوزارة والسلطات الحكومية الوصية أن تستعين وتسترشد بمحفزين وموجهين أو مرشدين نفسانيين واجتماعيين وتربويين وواعظين، للرفع من معنويات التلاميذ والآباء على حد سواء. بل ولكل فئات المجتمع. هذا التحفيز يجب أن يتوجه صوب إعادة الثقة في النفس لدى التلميذ وتثبيتها والتخفيف من الواقع النفسي، السلبي الحاد عليه. مع التأكيد على توعيته أكثر. وتوجيهه ليقتنع على أنه قادر على استيعاب دروسه الرقمية ومواكبتها. وأن المرحلة لا ينفرد بها لوحده كفرد، أو جماعة دون أخرى. وبالتالي فهي عابرة، نحاول أن لا نضيع فيها فرص الاستفادة. هاته الوضعية يمكن أن يساهم فيها التلميذ في نهاية المطاف بالتجاوب الإيجابي معها. مع حثه على ابتكار طرق التحصيل، التي تتمثل في التسجيل وتدوين أهم الأفكار المفهومة منها في جانب، والغامضة في جانب آخر. يبدد صعوباتها، إما بالاتصال مع أساتذته أو مع من يمكن أن يقدم له هاته الخدمة. مع توجيهه إلى إنتاج خطاطات تركيبية لدروسه وفق اجتهاداته وإمكانياته وقد لا يهم الوقوع في الأخطاء. لأن عملية الفهم تأخذ وجهتها الأولى من الخطأ. فهو عادي استثنائي ومنه ينطلق التعلم. علما بأن كل المعارف تستفيد من أخطائها لبناء تطورها ومواصلة مساراتها. نستحضر هنا قولة كاسطون باشلار: “تاريخ العلم، تاريخ أخطاء وأزمات”. هذا يحصل بالمراجعة والتقييم الذاتي من طرف التلميذ لتعلماته، كي يكتشف أخطاءه بنسبة من النسب.
التجربة إذن، هي تجاوب قسري، مع مرحلة قاسية مباغتة طرحت التعليم عن بعد كإجراء لا خيار عنه. رغم التخبط والارتباك الذي حصل في تفعيله وتنزيله، تعلق الأمر بالتلاميذ أو الآباء أو الأساتذة في تفاعلهم معه أو من الوزارة نفسها أو بالضغط الذي حصل في التواصل جعله لا يكتسب النجاعة المتوخاة في صورتها المثلى.
أمام المخلفات النفسية والوجدانية والتربوية، على التلاميذ ارتأت تمثيليات جمعيات الآباء، وتحديدا الفدرالية الوطنية لجمعيات آباء وأمهات وأولياء التلاميذ، بأن تتقدم بملتمس إلى الوزارة الوصية لتخصيص عطلة استثنائية للتلاميذ مباشرة، بعد الانتهاء من مرحلة الحجر الصحي. على الأقل لمدة أسبوع للتخفيف من وقع الضغط النفسي والقلق والارتباك والخوف. ناهيك عن أجواء البيت التي قد تكون غير مناسبة. فكان لزاما على الوزارة الوصية أن تتجاوب بإيجابية مع هذا المطلب الاستراتيجي. لذلك فقد عملت على تخصيص عطلة استثنائية لمدة أسبوع من 27 أبريل إلى 3 ماي 2020. ولكن في فترة الحجر الصحي !!!
نتمنى أن تكون عطلة يستريح فيها التلاميذ والآباء والأساتذة. عطلة تتميز بالراحة والاطمئنان. والابتعاد النسبي عن مسببات الخوف والقلق والإحباط واليأس، لتتجدد بعدئذ الرغبة ويستمر التجاوب بشكل أكثر نزاهة.
هي فرصة، لا تفوتنا دون التوجه بتقدير خاص للأساتذة والآباء وممثليهم الذين واجهوا إكراهات غير مسبوقة. كل حسب وضعيته وإمكانياته. خصوصا ما عملت عليه بعض جمعيات الآباء، وفاعليات من المجتمع المدني، بتوفير بطاقات للتعبئة، وأحيانا هواتف لأبناء الفئات الهشة حتى يتمكنوا من التواصل مع المنصات الرقمية ولا تضيع الفرصة عنهم.
الأسر كانت بحق مستوعبة لإكراهات المرحلة وصعوبتها وحاولت جاهدة الانخراط في آليات الخروج منها وتجاوزها بكل مسؤولية. مقدرة ظرفية التنزيل لنموذج التعليم الرقمي. رغم غياب العدة الكافية. ونسجل أيضا استباقية تنزيله لإنقاذ السنة الدراسية رغم بعض الارتباكات التي تخللته. لأنه الحل الأوحد والبديل عن التعليم الحضوري. فقد كانت محاولة لا يمكن الاستخفاف بجهود تنزيلها وإمكانيات تفعيلها. فهي تجربة تتوق إلى المستقبل الذي يجب أن تستكمل فيه وتصحح حتى تكسب الجاهزية أمام متطلبات أية ظرفية.

*باحث تربوي

أترك ردا أو تعليقا مساهمة منك في إثراء النقاش

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: