آخر المستجدات

الأطفال والتعلم في فترة الحجر الصحي

د/ أحمد بلاطي*

إن التأثير النفسي على التعلم في فترة الحجر الصحي أكيدة، فالتعلم لا يشمل الدروس الاعتيادية التي تقدم في الفصول والتي يمكن تعويضها عن بعد، لكن الوجود في المدرسة هو بحد ذاته مجال لتعلم الحياة الاجتماعية وتطوير الكفايات الاجتماعية، كما أن بعض التلاميذ والتلميذات يلجؤون إلى مناقشة جماعية بعد الدرس مباشرة أو أثناء العودة إلى المنازل، ويعمد البعض إلى مناقشة بعض الأمور التي استعصت عن الاستيعاب في القسم، وفي ظل هذه الظروف فإن هؤلاء المتعلمين افتقدوا زملاءهم وزميلاتهم، ويعد التشبيك الاجتماعي والتواصل الحسي مع الزملاء في التعليم حافزا أساسيا لصقل المهارات والتحلي باللياقة الاجتماعية.
لذلك، فإن الحجر الصحي سيكون له تأثير كبير في الصحة النفسية على التلميذات والتلاميذ شأنهم شأن جميع المواطنين، بسبب تغير الروتين اليومي المعتاد، وبسبب الوجود في مكان واحد ومحدود مدة طويلة، فبقاء الإنسان مدة طويلة في منزله في حالة ما يشبه البطالة جزئيا، يؤدي إلى تسرب الملل والقلق بسرعة. لأن الإنسان كائن اجتماعي.
لهذا من الضروري الحفاظ على الروتين اليومي، كما توصي بذلك أستريد شيفانس الطبيبة النفسية وطالبة الدكتوراه في علم الأوبئة في باريس، والتي أعدت دراسة لمنظمة الصحة العالمية()؛ إذ توصلت إلى أن الأطفال بحكم سنهم والتزاماتهم في التحصيل العلمي، روتينيون أكثر من غيرهم، لذلك توصي بما يأتي:
1– عدم تغيير دورة الاستيقاظ والنوم الخاصة بهم:
على الأهل عدم الانسياق وراء إغراء السهر ليلا لعدم وجود التزامات العمل صباحا، فهذا يؤثر على الأطفال الذين سيسهرون مع والديهم. الأمر الذي يترتب عليه البقاء في السرير صباحا مما قد يؤدي إلى اضطرابات النوم لاحقا.
2– لا ينبغي، فقط، إلزام الأطفال بمتابعة الحصص الدراسية فقط، مع الأساتذة عبر مجموعات التواصل الاجتماعي، وعبر التلفاز والأنترنيت، بل ينبغي أن يشمل هذا الجدول أوقاتا للعب والترفيه والراحة، تقول أستريد شيفانس إن عليك “أن ترتب شيئا يشبه حياتهم اليومية، وأن تخترع روتينا جديدا بحيث يستيقظون وهم يعرفون إلى حد ما ينتظرهم خلال النهار وفي اليوم التالي”.
3– إذا كانت أ. شيفانس تنصح الجميع بعدم إتخام أنفسهم بالمعلومات، وذلك بالتسمر أمام التلفاز للحصول على المعلومات المستجدة، فإن الأمر نفسه بالنسبة للمتعلمين إذ لا ينبغي جعلهم طيلة الوقت متسمرين أمام الحواسيب والهواتف واللوحات الرقمية، بحيث إنه ينبغي ترك فترة لهم لاستيعاب ما تلقوه من معلومات، وذلك في إطار تنظيم الذاكرة والنسيان.
من تأثير التعلم في فترة الحجر الصحي، وقوع تغيير راديكالي على طبيعة التعلم نفسه، والذي تحول من تعلم حضوري إلى تعلم عن بعد، إذ أصبحت الدروس مركزة وتفتقد إلى التفاعل الحميمي الذي كانت تتميز به في الأقسام، وهو ما يجعل التلاميذ يواجهون صعوبة أكبر في فهم الدروس ومتابعة الأستاذ.
بالإضافة إلى الحواجز النفسية التي تحف بالتعلم الإلكتروني، إذ إن الحماسة الأولى التي يقبل بها المتعلمون على التعليم عن بعد سرعان ما تخفت، خاصة أن أغلب الأساتذة لم يتلقوا تكوينا يؤهلهم لإعداد موارد التدريس عن بعد، التي تختلف اختلافا جذريا عن التعلم والتدريس الحضوري.
وإذا كانت الدروس أصبحت مركزة؛ فإنها تتطلب مدة أطول لإعدادها، ومراجع كثيرة يرجع إليها. إن التعلم عن بعد يجعل المتعلم عادة يشعر بعدم الارتياح في مرحلة بناء التعلمات التي كان يبددها في القسم بسؤال أقرانه. وبقدر ما يضمن التعلم عن بعد نوعا ما تركيز المتعلمين إلا أن الصعوبات التقنية المرتبطة باستعمال الأدوات الإلكترونية تظل هاجس المتعلم والمعلم.
غير أنه، بالمقابل، يمكن اعتبار التعليم عن بعد ونظرياته في تطور مستمر، وهو ما يؤذن بتغييرات هامة على صعيد براديغمات التعلم نفسها، وسيؤدي حتما إلى الدفع بالتعلم والتخلص من كثير من المشوشات التي كانت تصاحب التعلم الحضوري التقليدي؛ من شغب وإهدار للوقت في نقاشات هامشية. كما أن هناك دراسات أثبتت أن التعليم عن بعد إذا احترم مبادئ التعلم الإلكتروني فإنه يزيد من قدرة المتعلمين على استرجاع المعلومات، كما يعزز، أيضا، من طاقتهم الاستيعابية وإنتاجيتهم..
*أستاذ مبرز بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين الدار البيضاء – سطات
/ الفرع الإقليمي بالجديدة

أترك ردا أو تعليقا مساهمة منك في إثراء النقاش

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: