آخر المستجدات

هل ستفضي كورونا إلى مصالحة تاريخية بين الدولة المغربية وشعبها…

* عبد الإله بن التباع

تمر بلادنا خلال هذه الفترة بظروف عويصة فرضها وباء كورونا المستجد؛ لا نريد هنا تحليل أسباب الانتشار العالمي لهذا الوباء بقدر ما سنتجه إلى تشخيص نتائجه بالنسبة للبنية السياسية المغربية وتجلياتها الاقتصادية والاجتماعية… أول هذه الاستنتاجات تتعلق بالهشاشة الكبرى التي أبانت عنها كورونا على مستوى الخريطة الصحية الوطنية نظرا للضعف الكبير على مستوى الاستثمار في القطاع الصحي الوطني: توزيع غير عادل وممركز لهذه الخريطة سواء على مستوى الطاقات الاستيعابية للمرضى أو على مستوى توزيع الأطباء الاختصاصيين والذين يفضل أغلبهم العمل في القطاع الخاص أو التوجه خارج البلاد نظرا للإغراءات المادية والعلمية وهو ما يجعل سكان المغرب العميق مضطرين إلى التوجه نحو المراكز الصحية الوطنية في الرباط ومراكش والبيضاء وفاس ووجدة… والمحظوظ فيهم من يحصل على موعد للكشف أو العمليات بعد شهور وإذا كانت ظروفه المادية تسمح له فقد يتوجه إلى الفنادق الصحية.
كورونا نبهتنا أيضا إلى إهمال الدولة للأطر الصحية ووضعها الاجتماعي والمادي والذي لا يتلاءم مع تكوينها العلمي المتين أو مع التضحيات الجسام التي تضحي بها كلما حلت ظروف صعبة بالوطن والمواطنين والدليل ما تقدمه حالياً، مضحية بأرواحها واستقرار عائلاتها من أجل تجنيب وطننا كل مكروه، لهذا لابد من التفاتة كريمة نحو أطباءنا وممرضينا وأستاذة الطب وكل العاملين في القطاع… كما لا نخفي تذمرنا من الأعداد الهزيلة للمتخرجين من مختلف كليات الطب القليلة العدد أصلا ومن مراكز تكوين الممرضين والممرضات وكذا التقنيين في هذا المجال. وفي نفس السياق يجب تعميم هذا الكليات والمراكز على مختلف جهات المملكة وأقاليمها.
نقطة سوداء أخرى نبهتنا إليها كورونا في قطاع الصحة المغربي وتتعلق بالنزر القليل لعدد المختبرات الطبية وخاصة المتعلقة بالتحاليل الفورية والتشخيص، فكيف ننتظر نتائج الخبرة الطبية من معهد باستور بالدار البيضاء لشخص مصاب في الداخلة مثلا أو فجيج أو أسا الزاك؟ إذا يجب على الأقل أن تتوفر كل جهة على مختبرات من مستوى باستور أو مختبر الأوبئة والفيروسات بالرباط…
الاستنتاج الرئيسي الثاني يتمثل في كون كورونا أعادت الدفء الحميمي بين الدولة ومجتمعها هذا الدفء تجسد عبر تمظهرات عدة أبانت عن نضج كبير في التضامن التلقائي بين الدولة المغربية عبر المؤسسة الملكية المبادرة دوما إلى استحضار المشاكل الحياتية للمغاربة، فكانت فكرة إحداث صندوق مواجهة كورونا والمساهمة الشخصية لملك البلاد وتخصيص جزء مهم منه للأسر المعوزة والذين يشتغلون في قطاعات غير مهيكلة؛ إشارة قوية على التناغم الشعبي والرسمي ليصل رصيد هذا الصندوق إلى مبالغ مالية غير متوقعة بعد انخراط جزء كبير من ميسوري البلاد ومن مختلف المشارب في دعم هذا الصندوق رغم تواري بعضهم عن الأنظار لأسباب معروفة وغير معروفة.
الاستنتاج الثالث فمؤشره الحضور الإنساني القوي لمختلف الأجهزة الأمنية من درك ورجال الأمن وقوات مساعدة والقوات المسلحة الملكية والعمال والولاة والباشوات والقواد وأعوان السلطة… والذين لا تنام عيونهم للسهر على تنظيم الحجر الصحي وحماية المواطنين، بل الأروع في كل هذا حينما تلتقي عناصر هذه الأجهزة مع إرادة السكان وترديد النشيد الوطني بكل عفوية، أليس هذا تجسيد للمصالحة الوطنية الحقة؟؟؟؟؟؟ إن هذه المظاهر للحب العميق الذي يكنه المغاربة لوطنهم وتوابثه المقدسة لكفيل بطرح السؤال التالي: هل ستمهد كورونا الطريق نحو مصالحة تاريخية بين الدولة المغربية ومجتمعها؟ نعم يمكن أن يحدث ذلك عبر تقوية المسار الديموقراطي… عبر تجسيد ربط المسؤولية بالمحاسبة وعبر إقصاء مقولة عفا الله عما سلف وعبر خلق مناخ سياسي متين ينطلق من مبادرة ملكية سامية بإصدار عفو عن كل معتقلي الرأي ليعانقوا الحرية في وطنهم وأيضا مصالحة تقتضي أيضا تقديم ناهبي المال العام للمحاكمة وأيضا عبر تقوية الممارسة السياسية والنقابية الجادة وكذلك عبر الالتفاتة لجنود خفاء آخرين بدلوا ولا زالوا يبدلون المجهودات الجبارة من أجل الوطن ومؤسساته إنهم رجال ونساء التعليم إن نحن أردنا استغلال المرحلة والتوجه نحو المستقبل….
*عضو المجلس الوطني

أترك ردا أو تعليقا مساهمة منك في إثراء النقاش

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: