آخر المستجدات

في الحاجة إلى دمقرطة الفعل النقابي…

سعيد مفتاحي

أخي بقاس، العبرة ليست في تاريخ الوثيقة (استقالة جماعية من نقابة الجامعة الوطنية للتعليم -التوجه الديمقراطي، للمكاتب المحلية والمكتب الإقليمي بإنزكان أيت ملول، على إثر مخرجات المؤتمر الوطني والمؤرخة في 12 أكتوبر 2016) بل في تأكيد خلاصة أساسية مفادها: إن جل الإطارات النقابية والحزبية تعاني من غياب الديمقراطية الداخلية وعدم الاعتراف بالرأي الآخر المختلف، وانفراد القيادات بالقرار واحتكار المعلومات والمعطيات وبالتالي حصر دور المناضلين والمناضلات في تنفيذ ماتصدره هذه القيادات من قرارات صيغت تحت جنح الظلام، ويمكن إجمال أسباب استمرار هذا الظواهر التنظيمية السلبية داخل الإطارات النقابية والحزبية من وجهة نظري في النقط الآتية:

  1. عدم حصر تحمل المسؤولية في ولايتين متتابعتين خاصة داخل الأجهزة التنفيذية إذ ينبغي تقنين مسألة تداول المسؤولية في النظام الأساسي والقانون الداخلي للنقابات والأحزاب والتنسيقيات والجمعيات إذ لا يحق لنفس العضو الذي تولى مهمة الكاتب أو عضو في الجهاز التنفيذي أن يمارسها لأكثر من ولايتين متتاليتين وطنيا، جهويا، إقليميا ومحليا على أساس ألا تتجاوز مدة كل ولاية أربع سنوات.
    وأعتقد جازما أن مسألة الحكامة مدخل أساسي لدمقرطة الهيئات النقابية والحزبية وبالتالي تداول المسؤولية بين الأجيال والكفاءات والانتقال من الشرعية التاريخية إلى الشرعية الديمقراطية.
  2. تعاني جل الإطارات النقابية والحزبية من ظاهرة تحكم المتقاعدين في صناعة القرار التنظيمي والنضالي بعيدا عن الاحتكام لقواعد اللعبة الديمقراطية وإشراك القواعد عبر الأجهزة التنظيمية في صناعة القرار في مختلف المحطات النضالية والتنظيمية والمؤسساتية، وتعتمد القيادات المتقاعدة منذ سنوات خلت أسلوب الإشاعة المغرضة لإقصاء المناضلين من مواقع المسؤولية، فضلا عن شراء الذمم واعتماد الريع النقابي أو السياسي عبر توزيع التفرغات على المريدين أو التعيين في بعض مؤسسات الحكامة أو الوساطة من قبيل مجلس المستشارين، المجلس الأعلى للتربية والتكوين، المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي والمجلس الأعلى للوظيفة العمومية وغيرها من المجالس التي أصبحت أداة في يد البيروقراطية النقابية والحزبية لترويض الأتباع والمريدين على قيم الطاعة العمياء وتنفيذ الأوامر وترسيخ قيم الانتهازية والوصولية والتبعية، فمصير كل من قاوم أو رافض فأرض الله واسعة، وفي هذا السياق يمكن فهم ظاهرة الانقسامات والتشظي المتفشية في الأحزاب والنقابات رغم وحدة القيم والمبادئ والتوجهات الاستراتيجة التي تؤطر مشروعها المجتمعي الذي تطرحه كبديل للسياسات العمومية السائدة!!!، والحل يكمن في تقنين ظاهرة المتقاعدين من خلال التنصيص قانونا على أنه يحق للمتقاعدين تحمل المسؤولية في الأجهزة التقريرية (مجالس وطنية أو جهوية أو إقليمية (دون التنفيدية: مكاتب وطنية أو جهوية أو إقليمية) للاستفادة من خبراتهم وتجاربهم وآراءهم في مختلف القضايا التي تهم الشأن النقابي أو الحزبي أو الجماهيري… ويمكن أن يستمر المسؤولون والمسؤولات المحالون على التقاعد في تحمل مسؤولياتهم داخل الأجهزة التنفيذية إلى حين انتهاء ولاية انتدابهم لها.
  3. إن شفافية التدبير المالي للإطارات النقابية والحزبية والجمعوية مدخل رئيسي لدمقرطة هذه الأخيرة لأنها تستفيد بحكم القانون من المال العمومي الذي مصدره المواطنون والمواطنات دافعو الضرائب، وبالتالي من حق المناضلين والمناضلات، وقبل هذا وذاك من حق دافعي الضرائب معرفة كيف تصرف هذه الأموال؟ وما هو ومآلها؟ بل من الواجبات الدستورية لدولة الحق والقانون أن تراقب المال العام الذي تدعم به النقابات والأحزاب حسب المقاعد التي حصلت عليها في الانتخابات التشريعية أو الاستحقاقات المهنية وعلى أساس نتائجها عبر مؤسسات الحكامة من قبيل المجلس الأعلى للحسابات أو المفتشية العامة لوزارة الاقتصاد والمالية والحرص على نشر تقارير سنوية حول مالية النقابات حتى يتسنى للمواطنين والمواطنات دافعي الضرائب مراقبة أوجه صرف أموالهم وبالتالي محاسبة المفسدين والمختلسين ومحاربة الإثراء غير المشروع للعديد من “المناضلين” خاصة شيوخ العمل النقابي المستفيدين من الريع النقابي، في إطار ربط المسؤولية بالمحاسبة المنصوص عليها في دستور 2011، وفي هذا السياق يمكن فهم لماذا ترفض العديد من القيادات النقابية قانون النقابات، خوفا على امتيازاتها ومصالحها ومواقعها… إن الدولة تدرك هشاشة المنظمات النقابية وعزلتها الجماهيرية وتناقضاتها الداخلية وتهافتها على الريع النقابي، وخوفها المرضي من قانون النقابات، وهكذا وضع فإن هذه الأخيرة تستغل اختلال موازين القوى لصالحها لتمرير مشاريعها النكوصية من قبيل نظام التعاقد المجحف والظالم وماسمي بإصلاح نظام التقاعد والإجهاز الممنهج على قانون الوظيفة العمومية فضلا عن خوصصة وسلعنة التعليم والصحة وتحرير أسعار المواد الغذائية والخدمات الأساسية للمواطنين، تنفيذا وخضوعا لإملاءات المؤسسات المالية الدولية المانحة بتواطؤ مع القيادات النقابية البيروقراطية والتي حالت مصالحها وامتيازاتها دون انخراطها في نضالات جماهير شعبنا المكافح من أجل الحرية والكرامة ولقمة عيش شريفة رغم الشعارات الطنانة والجوفاء حول الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
    إن الحكامة الجيدة والشفافية المالية والإقرار بحق المناضلين والمناضلات في تقاسم المعلومات والمعطيات وبالتالي إشراكهم في صياغة القرار النقابي والنضالي، كلها مقدمات ضرورية لدمقرطة الفعل النقابي، أما أقراص المسكنات يمكنها أن تخفف من الآلام إلى حين ولكنها يستحيل أن تشفي من المرض!!!

لهذه الأسباب، إن تجربة التنسيقية الوطنية للأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد رغم حداثتها وقصر تجربتها تبقى في نهاية التحليل جديرة بالاهتمام واستخلاص الدروس والعبر منها لتعميق الاختيار الديمقراطي داخل صفوفها بعيدا عن سياسة الاحتواء والتدجين سواء من طرف أجهزة الدولة أو شيوخ العمل النقابي البيروقراطي .
ولعله من نافل القول ومكروره التأكيد على خلاصة أساسية مفادها: إن قوة التنسيقية الوطنية للأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد ووحدتها تكمن أساسا في استقلالية قرارها النضالي والتنظيمي وبالتالي وقوفها على نفس المسافة من جميع التنظيمات النقابية والحزبية والعقائدية.
هذه قناعتي استخلصتها من تجربتي السياسية والنقابية وأضعها رهن إشارة خيرة شباب وأطر التنسيقية الوطنية للأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد للتأمل والتقييم واستخلاص الدروس والعبر لإنارة ما احلولك في دنيا النضال والمناضلين، من أجل مغرب آخر ممكن، مغرب الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والمساواة وتكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية والكرامة، لأنه مازال في القلب شيء يستحق الاهتمام، رغم بؤس الواقع وتفاؤل الإرادة.

أترك ردا أو تعليقا مساهمة منك في إثراء النقاش

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: