آخر المستجدات

موظفو التعليم العالي والإصلاح المرتقب…

*براهيم غزان

نحن على أبواب إصلاح في الجامعة المغربية وتنزيل نظام دراسة جديد أطلق عليه البكالوريوس، لكن إلى اليوم لا شيء على أرض الواقع، مجرد كلام دون إجراءات، لا بنية تحتية تستقبل هذا الإصلاح، لا هيكلة بيداغوجية، لا هيكلة إدارية تستوعب هذا الإصلاح المرتقب، لا مواد ولا وحدات ولا محتوى دقيق لبرامج هذا الإصلاح، لا برامج معلوماتية تتوافق مع الإصلاح الجديد، لا شيء يذكر يوحي أن هناك إصلاح قادم. لا قانون جديد يؤطر الإصلاح المرتقب لا دفتر ضوابط بيداغوجية يقنن محتوى هذا الإصلاح، لا نظام الدراسة وتقويم المعارف يفعل هذا الإصلاح، لا حلول لمشاكل تفريغ المسجلين في النظام القديم، لا أساتذة اللغات يمكنهم مواجهة هذا التوجه وهم أقلية.
التجربة تتكرر مع الأسف مع التعليم العالي كما حصل مع التعليم الابتدائي والثانوي جربوا فيهم جميع توجهات الإدماج، الكفايات ووو لكن النتيجة صفر على صفر.
التعليم العالي أو الجامعة المغربية تتكون من ثلاثة مكونات أساسية: الطالب، الأستاذ، الموظف وأي إصلاح لابد أن يمر عبر هؤلاء، لأن الأستاذ والموظف هم من سيعملون على تنزيله، الشق البيداغوجي يتحمله الأساتذة والشق الأصعب والأشق سيتحمله الموظفون الإداريون والتقنيون والإدارة عموما.
لكن ما يسجل اليوم، والحديث كثر على دخول نظام البكالوريوس انطلاقا من الموسم الجامعي المقبل هو أن العناصر المعنية به مغيبة عن الحوار الدائر حوله وحول برامجه وحول استراتيجيته.
فوزارة التعليم العالي غيبت كل المكونات ولم تفتح معهم نقاشا ولا استدعت ممثليهم لحضور مطبخ هذا الإصلاح، ولا استأنست بآرائهم، بل اختارت سياسة المضي لوحدها وكأنها تشرع لأناس غير موجودين بالمغرب وبالجامعة المغربية.
فتغييب الممثلين النقابيين للموظفين الإداريين من هذا النقاش وهذا الحوار حول هذا الإصلاح المرتقب هو ضرب من العبث لأن هؤلاء هم من سيتحمل عبء هذا الإصلاح لأنهم الركيزة الأساسية التي سيبنى عليها.
فكان على الأقل أن تستمع الوزارة إلى مشاكلهم وتجاربهم وإلى الإكراهات الإدارية التي ستقف دون إنزال هذا الإصلاح على الوجه الصحيح، كما وقع مع النظام السابق بحيث أنزل سنة 2002 دون مراعاة الموارد البشرية ودون مراعاة الإكراهات الإدارية مما جعل هذا النظام يولد مشوها ولم يعط ما كان منتظرا منه، وها نحن اليوم نكرر نفس الأخطاء مع الإصلاح المرتقب.
فالجامعة المغربية والموظف الإداري يعاني من:
أولا: قلة الموارد البشرية
ثانيا: غياب هيكلة إدارية سواء برئاسة الجامعة أو بالمؤسسات الجامعية مما يجعل العمل الإداري يطبعه المزاج أكثر من تأطير قانوني وهيكلة تحدد المهام بدقة وتحدد المعايير الموضوعية في تحمل هذه المسؤولية.
ثالثا: لا يمكن أن ينجح هذا الإصلاح دون معالجة وتعديل كل النواقص التي يعاني منها القانون 00.01 المنظم للجامعة والذي أبانت التجربة أنه في مجموعة من مواده هي معرقلة وغير واضحة، والمراسيم الأساسية التي تعطي للجامعة استقلاليتها الحقيقية لم تخرج بعد وعلى سبيل المثال لا الحصر، نقل ممتلكات الدولة إلى الجامعة، الهيكلة الإدارية والتربوية.
كما أنه ينبغي تدارك أمر غريب في القانون المنظم للجامعة وفي المغرب وهو أن وزارة التعليم العالي لا تتحكم إلا في نسبة متواضعة من التعليم العالي فنحن البلد الذي لكل وزارة معاهدها ومدارسها وكلياتها العليا، ونحن البلد الذي تجد فيه مؤسسات غير تابعة للجامعة أي غير تابعة لوزارة التعليم العالي ولا سلطة للوزارة عليها.
كما أن تعديل مجموعة من المواد أصبح ضرورة لأنها تعرقل الحكامة والتسيير العقلاني للجامعة المغربية، وخصوصا كيفية تعيين الرئيس، وكيفية تعيين رؤساء المؤسسات الجامعية ونوابهم. فلا يعقل أن يأتي كل واحد منهم بمشروعه وفي فترات زمنية متباعدة.
والحكامة تتطلب أن يأتي الرئيس بمشروعه ويتحمل مسؤولية تعيين رؤساء المؤسسات ونوابهم والكتاب العامين ورؤساء المصالح سواء برئاسة الجامعة أو بالمؤسسات التابعة له ليطبقوا معه مشروعه مع ضرورة تعيين المدير الإداري والمالي للجامعة لأنه لا يعقل أن يأتي رئيس ليشغل نفسه بالتوقيع على كل الأمور الصغيرة والكبيرة.
إن ما يعيشه الموظف الجامعي اليوم، وهو الركيزة الأساسية لأي إصلاح، يتطلب إعادة الاعتبار لهذا الجندي الذي يعمل ليل نهار ويتحمل أعباء ثقيلة، والاستماع إليه وإشراكه في بلورة أي إصلاح مرتقب.
فنحن اليوم نترقب هذا الإصلاح ولكن هل أخدت الوزارة بعين الاعتبار الاكراهات التالية:

● كيف يمكن تدبير ما سيخلفه النظام القديم (التدبير على مستوى البرامج المعلوماتية وعلى المستوى البيداغوجي)؟
● كيف سيتحمل هذا العدد الصغير من الموظفين والذي هو في تناقص بحكم إحالة العديد من الموظفين على التقاعد وقلة التوظيف، هذا الكم الهائل من الطلبة الذي هو في تكاثر سنة بعد سنة وأعباء النظام الجديد؟
● كيف يمكن للبنية الإدارية الحالية بمشاكلها وغياب هيكلة بها أن تستوعب هذا الاصلاح؟
● كيف يمكن للبنية التحتية الحالية أن تستجيب لحاجيات هذا النظام وهي التي تعرف نقصا مهولا؟

فإذا كان من الضرورة أن ننزل إصلاحا، فكان على الوزارة أن تنزله بشكل عقلاني. فمثلا أن تجربه في مسلك أو مسلكين في المؤسسات ذات الاستقطاب المحدود (مسلك الاقتصاد ومسلك القانون بالفرنسية) لترى ما هي المشاكل؟، ولتقوم بتقويم ما يمكن تقويمه إن على المستوى البيداغوجي أو على المستوى الإداري أو على مستوى البرامج المعلوماتية التي تساعد في تدبير هذا الإصلاح ومن ثمة تعميمه.
لكن مع الأسف، الوزارة اختارت مقاربة أخرى وهي احتكار الإصلاح وإقصاء ممثلي الموظفين، والتنزيل الكلي دون تجربة. وهذه مخاطرة كبيرة لأن من أصعب الإصلاحات هي التي تمس نظام الدراسة وتقويم المعارف لأنها ترهن جيلا كاملا من الطلبة، وترهن البلاد بنتائج هذا الإصلاح.
فيمكننا أن نخطئ في بناء قنطرة أو طريق ويمكن تدارك ذلك، لكن حين تخطيء في توجه بيداغوجي فمن الصعب أو من المستحيل أن تتدارك الأمر.
إن ضرورة إنجاح هذا الإصلاح تتطلب أن تشرك الوزارة كل مكونات الجامعة في بلورة تصور موحد متفق عليه لأن الإشراك هو عنوان يتحمل الجميع مسؤولية إنجاحه، أما الإقصاء فهو عنوان أن الوزارة هي من يتحمل المسؤولية ولكن الذي يؤدي الثمن هو المغرب.
فالوزارة والحكومة مطالبة بتدارك الأمر إن كنا فعلا نرغب في إصلاح التعليم العالي بدعوة الجميع ممثلي الطلبة، ممثلي الموظفين، وممثلي الأساتذة إلى المشاركة في هذا الورش الذي يهم المغرب وفتح نقاش جاد ومسؤول، وتحسين وضعية العاملين بالجامعة المغربية وتحسين وضعية الطالب .

*جامعة مولاي اسماعيل

أترك ردا أو تعليقا مساهمة منك في إثراء النقاش

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: