آخر المستجدات

كيف يرى الشعب كل هذه الجرائم ويصمت؟ هل ماتت الإنسانية إلى هذا الحد؟

**عاصم منادي إدريسي**:

تنديدا بالعدوان الممارس على الأساتذة المتدربين بتازة ومكناس

عاشت ثلاثة مدن مغربية لمدة يومين بلياليهما بحر هذا الأسبوع (الأربعاء والخميس) على إيقاع أشكال نضالية استثنائية جسدها جيل الأساتذة المتدربين الأبطال، الذين يخوضون معركة غير مسبوقة دفاعا عن الحق في التوظيف كمكسب لأبناء الشعب الفقراء من جهة، ودفاعا عن التعليم العمومي من جهة أخرى.

يتعلق الأمر بمعركة لم يسجل التاريخ لها مثيلا في المغرب الحديث. لأنها المعركة السلمية التي لم تسجل السلطات الأمنية ضدها ولو مخالفة واحدة أو أي شكل من أشكال العنف مصدره الأساتذة المتدربون. وهي استثنائية أيضا لأن العنف الذي مارسته هذه الحكومة ضد الأساتذة المتدربين غير مسبوق أيضا، فإذا كان الأساتذة المتدربون أبدعوا في الأشكال النضالية، فإن الحكومة استنفذت كل أساليبها القمعية وهي تراهن على العنف كطريق لمواجهة الاحتجاجات السلمية.

في هذا السياق تأتي خطوة مسيرات الأقطاب المرفوقة باعتصام لمدة ثمان وأربعين ساعة، وذلك احتجاجا على تعنت رئيس الحكومة وتزمته لموقف الشخصي ووقوفه موقف المعارض لرغبة الشعب والأحزاب السياسية والمركزيات النقابية وكل العقلاء في البلد (حقوقيين، تربويين، رجال قانون وخبراء اقتصاد وسياسة…)، ورغبته في فرض سياسة الأمر الواقع مهما كان السبيل ومهما بلغ الثمن.

أمام هذا التعنت الذي يفرضه رئيس الحكومة، لا زال الأساتذة المتدربون متمسكين بمطلبهم المشروع يقاومون غطرسة الحزب الحاكم ويفضحون تضليلاته وأكاذيب مسؤوليه، وما زالوا يناضلون ويخوضون الأشكال الاحتجاجية السلمية قناعة منهم أن النضال هو الطريق الوحيد لاسترجاع الحقوق والكرامة التي أهدرتها الحكومة الحالية.

لكن ما يحز في النفس، هو تلكؤ الشعب في دعم أبنائه وتقاعسه عن نصرتهم في هذه المرحلة الحاسمة. وذلك بالرغم من اقتناعه بمظلوميتهم والقمع المسلط عليهم من طرف حكومة تعادي مصحة الفقراء وتتغول عليهم.

لقد كان الأساتذة المتدربون يصرخون بشوارع تازة ويفرون من هراوات الأجهزة القمعية في الأزقة والدروب، وكان السكان يغطون في نوم عميق غير عابئين بأبنائهم في الخارج ينزفون دما، وقبلها صرخوا من شدة القمع والأذى في كل المدن والساحات، وكانت العصي تتكسر فوق رؤوسهم ويتساقطون على الأرصفة كالمجرمين، وكل هذا تحت بصر الناس الذين يتابعون المشهد من بعيد وكأن إنسانيتهم قد ماتت تماما.

لا يطلب الأساتذة المتدربون من الشعب أن يحمل سلاحا ولا حجرا ولا عصيا ولا أي سلاح، لأنهم ما انفكوا منذ ستة أشهر يؤكدون يوميا سلمية معركتهم ونظافتها من جانبهم، ولكنهم ينتظرون من الشعب أن ينزل للساحات إلى جانبهم ويملأ الشوارع ضجيجا ويصرخ مطالبا بالكرامة والعدالة لأبنائه بعدما سالت دماؤهم وبحت حناجرهم وهزلت أجسادهم بسبب المعاناة والقسوة والقهر.

إن الشعب إذ يتخلى اليوم عن نصرة هذا الجيل البطل، فإنه يتخلى عن نفسه وعن مصالح أبنائه وعن مكتسبات انتزعها بتضحيات جسام قدمها جيل آخر من الأبطال. وليس من العدل أن تتم التضحية بهذه التضحيات وبما حققته من مكتسبات بسبب الجبن والخوف والتفكير الأناني الضيق.

على الشعب الصامت ( نقابات، أحزاب، جمعيات حقوقية ومدنية، مواطنون عاديون..) أن يشعر بالخجل والعار، لأن أستاذات متدربات تقضين الليالي تحت البرد والجوع، والقمع يتربص بهن ويفتك بهن بكل قسوة، ومع ذلك تراهن ممتلئات إصرارا على استكمال المعركة واستعدادهن التام للتضحية بكل شيء لقاء تحقيق المطالب المشروعة، وقريبا منهن يقف المئات والآلاف والملايين يتفرجون وكأن ما يجري يحدث في كوكب آخر.

على الشعب أن يحتفظ -على الأقل- بمشاعره الحيوانية الطبيعية كحد أدنى. فالكلب يتألم لمرض كلب آخر، ويذرف الدموع لموت كلب، وقد يموت جوعا دون أن يقرب من جيفة الكلب الميت. فهل صرنا أقل من الكلاب، بحيث نتفرج على أبنائنا وزملائنا ينزفون تحت بصرنا دون أن نحرك ساكنا؟ هل ماتت

فينا الإنسانية إلى حد أن نتفرج على هذه المشاهد المشينة للإنسانية والحس الطبيعي السليم؟

المرجو عند كتابة التعليق أو الرد عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص و احترام الرأي الآخر، والابتعاد عن السب و الشتائم.

أترك ردا أو تعليقا مساهمة منك في إثراء النقاش

%d مدونون معجبون بهذه: