آخر المستجدات

ملاحظات بشأن رفع شكاية ضد أستاذة فرض عليها التعاقد

سعيد مفتاحي

أقدمت الحكومة والوزارة الوصية على تنفيذ وعدها ووعيدها وترهيبها فأرغدت وأزبدت في شخص ممثلها الإداري بالمديرية الإقليمية ببرشيد من خلال رفع شكاية إلى السيد وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية ببرشيد من أجل مقاضاة الأستاذة صفية كجي التي فرض عليها التعاقد بدعوى أنها “أقدمت في مناسبات عديدة على تحريض مجموعة من الأساتذة والأستاذات لعرقلة السير العادي للمؤسسات التعليمية العمومية بالإقليم” في سابقة لا مثيل لها حتى في عهد أوفقير والدليمي والبصري وكل رموز العهد البائد الذين تفننوا في أساليب وأشكال القمع والبطش والتسلط في مواجهة النضالات والمطالب العادلة والمشروعة للشغيلة التعليمية بمختلف فئاتها منذ انتفاضة 23 مارس 1965 ضد المرسوم المشؤوم لوزارة التربية الوطنية والقاضي بفصل التلاميذ الأكبر سنا عن الدراسة وما تلاه من قمع وحشي همجي توج بإطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين وسقوط العديد من الضحايا، إلى 23 مارس 2019 لإسقاط نظام التعاقد لأنه يكرس الهشاشة في قطاع التربية والتكوين وعدم الاستقرار المهني والنفسي والاجتماعي للأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد فضلا عن كونه يمهد الأرض لخوصصة التعليم العمومي وسلعنته من جهة، وتفكيك منظومة الوظيفة العمومية باعتبارها خدمة عمومية تتحمل الحكومة مسؤولية ضمان مجانيتها وجودتها من جهة أخرى.
لم تتردد الحكومة الحالية التي ظلت سجينة لاختيارات ورهانات الحكومة السابقة في مواجهة هذا المطلب الدستوري بالمقاربة الأمنية وسياسة العصا الغليظة لا سيما خلال المسيرة الوطنية بالرباط يوم 20 فبراير 2019 حيث تم التنكيل بنساء ورجال التعليم ضربا وسحلا مع استعمال خراطيم المياه والإمعان في إهانتهم بألفاظ نابية ǃ مرورا بانتفاضة 20 يونيو 1981 والدور الطليعي للشغيلة التعليمية في قيادتها لمواجهة قرار الزيادة في أسعار المواد الغذائية الأساسية، ومرة أخرى لعلع صوت الرصاص الحي في مختلف أحياء مدينة الدار البيضاء وما نتج عنه من سقوط ضحايا وشهداء لم يتورع وزير الداخلة آنداك إدريس البصري وأمام أنظار “ممثلي” الأمة في قبة البرلمان بنعتهم ب “شهداء كوميرا” فضلا عن اعتقال العشرات من المناضلين والقيادات النقابية والزج بهم في غياب السجون وإغلاق المقرات النقابية في حملة ترهيبية لم يسبق لها مثيل في تاريخ المغرب.
والخلاصة فإن قرار الوزارة الوصية في شخص مديرها الإقليمي ببرشيد والقاضي بمتابعة الأساتذة “صفية كجي” قضائيا، بدعوى تحريضها للأستاذات والأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد على ممارسة حقهم الدستوري في الإضراب دفاعا عن حقهم في الإدماج في الوظيفة العمومية إسوة ومساواة بزملائهم موظفي وزارة التربية الوطنية، ليس في نهاية التحليل سوى امتداد لهذا التاريخ الأسود من المضايقات والمحاكمات الصورية والأحكام الجائرة في حق المناضلات والمناضلين النقابيين، والتي تدخل في باب الشطط والتسلط في استعمال السلطة والتضييق على الحريات النقابية وفي مقدمتها الحق في ممارسة الإضراب الذي كرسه دستور 2011 في فصله 29 الذي نص على أن “حق الإضراب مضمون ” ناهيك عن المواثيق الدولية ذات الصلة خاصة المادة 87 من الاتفاقية الدولية المتعلقة بالحريات النقابية وممارسة الحق النقابي.
وبعد الاطلاع على تهديدات الحكومة والوزارة الوصية ومزايداتها ومضمون شكاية المدير الإقليمي إلى وكيل الملك بالمحكمة الإبتدائية ببرشيد ضد الأستاذة المعنية بالأمر لابد من إبداء ملاحظات بشأن مسطرة ترك الوظيفة التي يهدد بها الأساتذة المتنازع على تسميتهم بين الذين فرض عليهم التعاقد وبين أطر الأكاديميات وفق إفادة ورأي الأستاذ المحامي حميد بوهدة التي يمكن إجمالها في النقط الآتية:

  1. مسطرة ترك الوظيفة منصوص عليها في الفصل 75 مكرر من قانون الوظيفة العمومية وهو قانون لا يسري على أطر الأكاديمية كما تسميهم الوزارة ولم اطلع بعد على القانون المنظم لعمل أطر الأكاديمية حتى نتأكد من وجود نص قانوني مماثل لنص الفصل 75 مكرر من قانون الوظيفة العمومية.
  2. إن سلوك مسطرة ترك الوظيفة تحتاج أن يكون المعني بالأمر في حالة ترك الوظيفة، والتي تتحقق بمغادرة الموظف للوظيفة بدون مبرر قانوني وفقا للعمل القضائي المتواثر في هذه النقطة والحال أننا أمام أساتذة يمارسون حق الإضراب وهو حق دستوري لا يوجد لحد الآن نص تنظيمي يحدد شكليات ممارسته، ومن تم تكون حالة ترك الوظيفة باعتبارها وضعية قانونية غير محققة وأن أي قرار إداري يعتمد حالة ترك الوظيفة قابل للإلغاء أمام المحكمة الإدارية داخل أجل 60 يوما من تاريخ التوصل به من طرف المعني بالأمر.
  3. إن مسطرة ترك الوظيفة تقتضي إرسال إنذارات للأساتذة وانتظار 7 أيام بعد التوصل، وفي حالة عدم التحاق المتوصل بالإنذار تعمل الإدارة على قطع الأجل لمدة 60 يوما وهو ما يعني أن الوصول إلى عزل الموظف إعمالا لهذه المسطرة يحتاج على الأقل ما بين 70 و75 يوما وهي المدة المتبقية من عمر السنة الدراسية، فضلا عن أن رجوع الموظف قبل نهاية 60 يوما من قطع أجرته بيومين مثلا سيضع حدا لهذه المسطرة ويتم الرجوع إلى مسطرة التأديب العادية، ما يعني أن الإدارة ستحيل المعني بالأمر على المجلس التأديبي وستمكنه من ضمانات الدفاع عن نفسه قبل إصدار أي قرار يهم وضعيته القانونية والتي يفرض عليها من حيث المبدأ احترام التدرج في توقيع العقوبة التأديبية وفق ما هو منصوص عليه في الفصل 64 وما يليه من قانون الوظيفة العمومية التي تريد الوزارة إعمال مقتضياته.
  4. في حالة رجوع الموظف داخل مدة 60 يوما من قطع أجرته فالمسطرة قد تتطلب من الوقت أزيد من 6 أشهر قبل صدور قرار المجلس التأديبي والذي يقبل الطعن أمام القضاء الإداري، وهو ما يعني عرض أزيد من 50 ألف ملف على المحاكم الإدارية، ومن تم سننتقل من إهدار الزمن المدرسي إلى إهدار الزمن القضائي والكل من أجل تمرير قانون جديد لم توفر له الدولة البنيات الذهنية لتقبله والبنايات المؤسساتية والاجتماعية لمواكبته، بل وفرت له مشعودين في السياسة لا يتقنون إلا لغة التهديد عوض وضع الأمور على طاولة النقاش العمومي مادام أن الأمر يتعلق بمسألة استراتجية وفقا للمشعودين دائما.

ويمكن إضافة ملاحظتين أساسيتين للملاحظات السابقة للأستاذ حميد بوهدة:

  1. إن النظام الأساسي الخاص بأطر الأكاديميات رغم مصادقة المجالس الإدارية لمختلف الأكاديميات عليه لا يأخذ الحجية القانونية إلا بعد إقرار بمرسوم صادر في الجريدة الرسمية
  2. إن مسطرة ترك الوظيفة باعتباره غياب غير مبرر وليس إضرابا مكفولا دستوريا حسب زعم الوزارة الوصية التي شرعت في تنفيذه بإشعار المعنيين بالأمر بواسطة إنذارات بعدم الالتحاق بالعمل عبر البريد المضمون ستأخذ مساراها القانوني بعد إصدار المرسوم المؤطر للنظام الأساسي الخاص بأطر الأكاديميات المعدل في الجريدة الرسمية.

أترك ردا أو تعليقا مساهمة منك في إثراء النقاش

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: