آخر المستجدات

مساهمة في النقاش، قراءة نقدية في بلاغ المديرية الإقليمية بسطات

سعيد مفتاحي

أثار إصرار وانفراد المدير الإقليمي بسطات بفرض توقيع استئناف العمل من طرف الأساتذة المضربين خاصة الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد المزاولين لمهامهم بمؤسستين تعليميتين باعتباره إجراء تدبيري محض يطبق على جميع الموظفين بدون استثناء ،الذين تغيبوا عن عملهم لأكثر من 48 ساعة أو الذين استفادوا من العطلة الإدارية أو الرخص المرضية ويستوجب توقيع محضر استئناف العمل عند الالتحاق حسب مضمون البلاغ الصحفي الصادر عن المديرية الإقليمية بسطات.
ويهمنا, هنا والآن، أن نذكر السيد المدير الإقليمي بجملة من الملاحظات المنهجية والتي يمكن إجمالها في النقط التالية:

  • أن بلاغه الصحفي يفتقد للأطار والمراجع القانونية لأن الأمر لا علاقة له بالرخص التي يتمتع بها الموظف طيلة مساره المهني حيث تنص المادة 038 من قانون الوظيفة العمومية على أنه “يعتبر الموظف في وضعية القيام بوظيفته إذا كان مرسما في درجةما ومزاولا بالفعل مهام إحدى الوظائف المطابقة بالإدارة التي عين بها. ويعتبر في نفس الوضعية الموظف الموضوع رهن الإشارة والموظف المستفيد من الرخص الإدارية والرخص لأسباب صحية ورخص الولادة والرخص بدون أجرة والتفرغ النقابي لدى إحدى المنظمات النقابية الأكثر تمثيلا”

وهكذا فإن وضعية الموظف مرتبطة بجملة من الشروط والضوابط القانونية منها أساسا:

  • الانتماء إلى درجة من درجات الوظيفة العمومية.
  • الترسيم في الدرجة المعنية.
  • مزاولة المهام فعلا في أحد المناصب المطابقة لها.

وتنقسم الرخص التي يتمتع بها الموظف طيلة مساره المهني وفق مقتضيات المادة 38 من قانون الوظيفة العمومية إلى خمسةأصناف:

  • الرخص الإدارية.
  • الرخص لأسباب صحية.
  • رخص الولادة.
  • الرخص بدون أجرة.
  • التفرغ النقابي لدى إحدى المنظمات النقابية الأكثر تمثيلا.

السيد المدير الإقليمي المحترم هذه حصرا هي الرخص التي تستوجب على الموظف في حالة الإستفادة منها لسبب من الأسباب المشار إليها في المادة 38 من قانون الوظيفة العمومية، إخبار الإدارة باستئناف العمل، وإن عدم الإخبار يجعل المعني في حالة غياب غير قانوني عن العمل، وبالتالي فإنه يعرض نفسه لعقوبات إدارية واقتطاعات مالية.
وهكذا وضع فإن الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد لم يكونوا في وضعية رخصة إدارية أو مرضية أو رخصة ولادة حتى يتسنى للإدارة أن تفرض عليهم التوقيع على محضر استئناف العمل عند الالتحاق بل كانوا يمارسون حقا مشروعا يكفله الدستور دفاعا عن المدرسة العمومية مدرسة الجودة والإنصاف والإرتقاء وكرامة وحقوق هذا الجيل الجديد من نساء ورجال التعليم وخاصة حق الإدماج الفوري والشامل في الوظيفة العمومية.
لقد أكد المشرع الدستوري، ومنذ أول تجربة دستورية سنة 1962 وصولا الى دستور 2011 ومرورا بدساتير 1970 و1972 و1992 و1996 على تمتع رجال ونساء التعليم بحق الإضراب، شأنهم في ذلك شأن باقي الموظفين العموميين وكافة المأجورين حيث الفقرة الثانية من الفصل 29 من دستور 2011 تنص على “حق الإضراب مضمون، ويحدد قانون تنظيمي شروط وكيفيات ممارسته” ولست بحاجة إلى التذكير بأن هذا القانون التنظيمي منذ صدور أول دستور مغربي سنة 1962 لم يظهر له أثر لحد الساعة!!!!
ولعله من نافل القول ومكروره التأكيد على خلاصة أساسية مفادها أن ممارسة حق الإضراب لا تؤثر سلبا على الوضعية المهنية للموظف ولا على حقوقه التي تخولها له وظيفته ولاينتج عنها أية تبعة فيما يخص وضعيته الإدارية أو ترقيته أو تعيينه.
وتأسيسا عليه فإن البلاغ الصحفي الصادر عن المديرية الإقليمية بسطات مخالف للمتن الدستوري والمواثيق الدولية ذات الصلة بالحقوق النقابية والتي صادق عليها المغرب، وتتعارض حتى مع مشروع القانون التنظيمي التكبيلي للإضراب رقم 97.15 المتعلق بتحديد شروط ممارسة حق الإضراب وكيفياته، وذلك سيرا على التكليف الدستوري على هذا الصعيد حيث تنص المادة 2 من هذا المشروع على أن “الإضراب هو كل توقف جماعي عن العمل يتم بصفة مدبرة ولمدة محددة، من أجل الدفاع عن حق من الحقوق أو مصلحة من المصالح الاجتماعية أو الاقتصادية المباشرة للأجراء المضربين”
إن هذا المفهوم للإضراب باعتباره توقف جماعي عن العمل بصفة مدبرة ولمدة محددة دفاعا عن الحقوق المشروعة والمكتسبات والكرامة والعدالة الاجتماعية والمساواة والحريات المكفولة دستوريا يقف على طرفي نقيض من المنحى النكوصي الذي وسم البلاغ الصحفي للمديرية الإقليمية بسطات حيث استحال معه مفهوم الإضراب مجرد رخصة إدارية أو مرضية تستوجب توقيع الأساتذة المضربين على محضر استئناف العمل عند الالتحاق بالمؤسسات التعليمية!!!
ورغم مبادرة النقابات التعليمية الأكثر تمثيلية بالإقليم إلى الاتصال بالمدير الإقليمي الذي اخترع العجلة في محاولة جادة لحلحلة الأزمة ونزع فتيلها قبل فوات الأوان إلا أن هذه المبادرة باءت بالفشل بسبب تعنت ورعونة المدير الإقليمي وإصراره على طرد 40 أستاذا من خيرة أطر الأكاديمية بسبب ممارسة حقهم في الإضراب الذي يضمنه دستور 2011 في فصله 29 وكل المواثيق الدولية ذات الصلة والتي صادق عليها المغرب ولكن للسيد المدير الإقليمي بسطات رأي آخر!!!
وخلاصة القول إن البلاغ الصحفي للمديرية الإقليمية بسطات يتناقض مع المتن الدستوري الذي كرس الحريات النقابية ومنها الحق في ممارسة الإضراب ويخالف بشكل سافر المواثيق الدولية ذات الصلة وخاصة المادة 87 ويعد ضربا من ضروب الشطط في استعمال السلطة، فضلا أنه يمهد الأرض لتنفيذ مقتضيات مشروع القانون التنظيمي التكبيلي للإضراب رقم 97.15 المتناقض مع المادة 8 من الدستور من جهة الاختصاص بهدف تكبيل الحق في الإضراب، وتحويل النقابات من آليات مستقلة إلى وكالات ،وتجريدها من كل مسؤولياتها الدستورية .
إن البلاغ الصحفي للمديرية الإقليمية بسطات ليس في نهاية التحليل سوى محاولة بائسة ويائسة للتضييق على الحق الكوني والدستوري في ممارسة الإضراب باللجوء إلى أسلوب الترهيب البائد وبالتبعية فإن المدير الإقليمي بهذا القرار الأخرق يتحمل مسؤولية تأجيج الوضع ورفع منسوب التوتر والاحتقان في الساحة التعليمية بإقليم سطات.
فهل سيتم تدبير هذه الأزمة المفتعلة بمنطق الحكمة والرزانة والتعقل ووضع المصلحة الفضلى للمتعلمات والمتعلمين فوق كل اعتبار أم أن عقلية التعنت والتسلط ستكون بمثابة الشرارة الأولى لفتح أبواب جهنم ؟!!!
“قرارهم جاهز قرارنا نافذ لن تمر المهزلة “هكذا أنشد الشاعر المغربي المبدع محمد الأشعري ذات 20 يونيو1981 فما أشبه اليوم بالأمس!!!

أترك ردا أو تعليقا مساهمة منك في إثراء النقاش

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: