آخر المستجدات

المدرسة المغربية، وضع قلق… وفائض في الخطاب

*ذ.الحسين بو لحية

ونحن عندما نبرز أهمية السؤال التربوي في المدرسة العمومية كيفا، فليس ذلك من أجل الانخراط في عملية التنويه الذاتي، بل التأكيد على حقيقة أن المدرسة العمومية كانت وما تزال أقرب حاضنة لإنتاج العقل المغربي…
ومن ثم فإنها تجد نفسها دائما في وضعية سيزيفية قد تؤدي ثمنها غاليا إذا لم تتماشى والنسق الاجتماعي الصاعد والاستجابة له عبر بناء إجراءات عملية مندمجة لا عبر قرارات جزئية.
إن دخول الألفية الثالثة وبكل مستجداتها لابد أن تجعل الفاعل المركزي قلقا من حيث عملية الإصلاح، ومن حيث اختيار القيادة، ومن حيث عملية صنع القرار، ومن حيث…
إن الأمر يتعلق بالتعامل مع مكون بشري في حالة نزوع وصيرورة مستمرة وليس مع مجرد مراقب.
وحينما نقول بالقلق نقول بأثره ووجود صعوبة في التركيز لدى الفاعل لسيطرة احتمالات الفشل، بمعنى أن الإصلاح يجد نفسه متصلا بأفكار وموضوعات قد تكون غير متصلة آليا بالموضوع، ولكن مع ذلك تعمل على تشتيت الانتباه وهذا شعور يحول دون السيطرة على التحكم في مستوى آثارها وانزعاجها مما يجعل الإصلاح فاقدا لجرعة الجرأة أحيانا.

الدولة والمسؤولية
إن مسؤولية الدولة هي توفير التعليم وبجودة. من هنا يأتي الحديث عن ليس فقط الاعتقاد، بل الإيمان بهذه المسؤولية وأن أي تغيير وفق ما جاءت به العولمة من خوصصة للقطاع لا يمكن أن يستقيم وبسهولة، فالدولة وإن كان يبدو للعيان أنها تبدل مجهودا نظريا وماديا فإن ذلك لا يجعلنا نستنتج أنها تتوفر على رؤية واضحة للتعليم ومخرجاته.
الرؤية الاستراتيجية
يبدو هذا الخطاب وهو يقدم نفسه ببدائل وبمداخل إصلاحية انطلاقا من مرجعية تشخيصية وتحليلية لعالم القطاع بما فيه من بنيات ومراجع وأهداف ووقائع متشبعا في ذلك كله بالمعلومات الخاصة والعامة والهدف مبدئيا هو تأسيس وضعية ما لهذه البدائل.
أنتج هذا خطابا جديدا وبتفصيلات قد تكون فارقة وقد تتعارض أحيانا مع بعض القيم الاجتماعية والإنسانية، ومع دور المدرسة نفسها في تعميق الإيمان بموضوعة “القيم” فأضاف هذا الوضع الجديد حالة مركبة أخرى فهو لم يحسم مع ما سبق ولم يصبح معيشا أي قابلا للتطبيق اعتمادا على استراتيجية موحدة ومنتجة لنص يحضى بنفس التمثل لدى الاكاديميات والمديريات والمؤسسات بعيدا عن الانطباعات التي يكونها هذا الفريق أوذاك، مما يكون معه العمل ليس تضييقا للهوة بل تعددا للتلقي.
ومعلوم أن عملية الفهم هي بناء تمثل ذهني من طرف هذا الفرد أو ذاك أي تمثل ما يفيه النص بالنسبة إليه.
ولتجاوز أي غموض من حيث التنزيل فإن الأمر يتطلب تضافر المجهودات لمعالجة كل البنيات المعرفية والمعطيات اللسانية الدالة لدى الجهات المعنية من أجل الوصول إلى تمثل تفسيري متماسك لمعنى هذا المعطى الجديد ’’الرؤية الاستراتيجية’’ حتى لا تنبثق مجموعة من التمثلات الفرعية الجانبية ’’إشكال الفلسفة والتربية الإسلامية’’ التي تحجب التمثل الأصل بمعنى تقديم نموذج ذهني واقعي يحد من التمثلات النمطية التي تخص هذا المتلقي مما يعني وكما يقول هوسرل الانتباه إلى العلاقة النمطية الثلاثية التي تميز بين فعل الإحالة، ومضمون الإحالة، وموضوع الإحالة، وإلا فإن الحديث عن إصلاح التعليم لا يولد بالضرورة إصلاحا بل ربما ينتج خطابا مضادا لما يرتئيه الإصلاحيون.
في الممارسة التربوية
ورغم العطاءات المختلفة والمتواترة حاليا إلا أنها لم تؤسس بعد نقلة نوعية تخرج القطاع من الشعور بالقهقرة التي أضحى عليها، خاصة بعد تقدمنا على صعيد الزمن الطبيعي والاجتماعي مسافة طويلة بين السؤال التربوي غداة الاستقلال والألفية الثالثة.
ومن المعلوم أن الممارسة التربوية دائرة يصعب تحديد بدايتها.

  • هل يتعلق الأمر بأداء الأستاذ أم بتحصيل التلميذ؟؟
  • هل أصبح أداء الأستاذ يمثل انعكاسا لتحصيل التلميذ أم إن تحصيل التلميذ هو الذي يلقي بأثره على أداءات الأستاذ؟؟
  • هل نستحضر في تقييماتنا مسألة الجهوية وأثرها؟؟
  • هل نستحضر في الجانب التخطيطي والاستراتيجي ماذا نريد من مدرسة اليوم، هل القضاء على الامية أم تأهيل يد عاملة متوسطة التكوين؟؟
  • هل كان لتوسيع وعاء شبكات المؤسسات الجامعية أثر في الرفع من المستوى أم زاد ذلك في تعميق تواضع المستوى؟؟
  • أين تتجلى مظاهر الضعف والتواضع؟؟
  • هل في البرامج والمناهج وأساليب التنزيل وآليات التقويم ؟؟
  • هل في الاختيارات واتخاذ القرارات التي أضحت أحيانا عبارة عن ردود أفعال تفتقد الرؤية التربوية الرصينة والفعل المؤسسي؟
  • هل يعود الأمر إلى ضعف قدرات الموارد البشرية في استيعاب المستجدات في غياب التكوين والتكوين المستمر مما قد يزيد ذلك إساءة الى هذه ألمستجدات؟
  • وأخيرا وهذا عين الصواب في نظري، هل نريد تعليما تغيريا أم نريد تعليما يعيد إنتاج ثقافة ما ويمررها من جيل إلى جيل؟

أسئلة من ضمن أخرى تطل من هنا ومن هناك وتستدعي أجوبة جذرية. وفي انتظار الذي يأتي والذي لا يأتي فإن تحقيب السؤال التربوي بقي دائما ملازما للتحقيب السياسي فقد تماهى سؤاله في المربع الأول مع مسار الحركة الوطنية وعمل على توطين ركائز الاستقلال وقام على أكتاف أفراد أكثر منه على مؤسسات.
أما السؤال الثاني فقد قاد لواءه إصلاحات وتدخلات سياسية حاولت أن تبني أفكارا لا يمكن أن نقول عنها طليعية بقدر ما نقول إنها قدمت خدمة جليلة لتلك المرحلة التي انتهت عند شعار المبادئ الأربعة المعروفة.
السؤال الثالث أو السؤال الراهن ومع ماله من فائض في الخطاب إلا أن وضعه قلق ومازال يسعى إلى شق طريقه في تدارك لما فات وفي وضع متموج تفرض لحظاته الانتباه إلى قضية الجهوية وقضية النموذج الجديد للنمو وفق رؤية مستقبلية بالرغم من أننا لدينا أزمة مع المستقبل.
لقد حاولنا من خلال استعراض بعضا من الأسئلة الماضية طرح مكونات المسألة التربوية على صعيد الخطاب وفق ترتيب نعتقد أنه يعكس إلى حد كبير نفس ترتيب التمفصلات التي كانت تحكمه، إن لم يكن في الواقع يكون في الزمن المدرسي أي إقامة نوع من التوازي والتناظر بين هذا وذاك مع استحضار بالطبع الخصوصية في العلاقة بين الإديولوجي والتربوي لأن هذه الأسئلة لم تكن أبدا بهذه السهولة فقد عاشت هذه الاسئلة اضطرابات تربوية نتيجة اختيارات سياسية مهيمنة. وعلى رأي أفلاطون فإن أفساد نظام التعليم أسرع من بنائه لكن اصلاحه وإن بدا صعبا فهو ليس مستحيلا شريطة توفر إرادة سياسية جريئة تتجاوز توفير الميزانية المالية فقط. فإذا كانت الرؤية السياسية قائمة أساسا على الحاجيات فإن الرؤية التربوية تتجاوز ذلك إلى البيداغوجيا والمعالجة العلمية العميقة والدليل على هذا إقرار مشاريع تربوية بقرار سياسي ثم التخلي عنها بقرار سياسي آخر ومن دون تعليل تربوي سوى تغير في هرم سلطة القرار مع أن تسييس التعليم يختلف عن سياسة التعليم إذ الفرق واضح بين أن يكون التعليم مشروعا سياسيا وبين توظيف قضايا التعليم لإغراض سياسية.
إن رأس السمكة هو التعليم ومشروعه ينبغي أن يشكل جزءا من سياسة الدولة الرسمية بجرعة أكثر قوة من شعار التعليم شأن الجميع فهو مطالب بخلق شعور مشترك يساعد على ليس توفير البنيات التحتية فحسب، بل التعايش والتجانس وتبادل القيم والمنافع ويسهل أمور المعيش اليومي للأفراد داخل المجتمع فهو خط الدفاع الأول عن الأمة وإصلاحه هو إصلاح لكل وجوه ومجالات الحياة في الألفية الثالثة ذات الانفجار المعلومياتي.
بعض مما تقدم
إذا كانت معظم الاستخلاصات مازالت ترى في الوضع الآني للمدرسة العمومية وضعا قلقا يطرح أسئلة كبرى ويعبر عن حالة أكثر من متورمة، فإنها ترى كذلك أن المدرسة أصبحت نقطة استقطاب لكل التشنجات والمواقف وأضحت معها كل مقاربة تهدف إلى خلخلة هذا الوضع واحتواء تداعياته وأعراضه مبادرة عبثية لن تجدي نفعا ولن تصل إلى نتيجة ملموسة بالرغم من جديتها وثقل المتدخلين. ولأجله فالمصلحة الوطنية تستدعى تنزيل رؤية واضحة وبلورة خطة عمل فعالة تستحضر جميع آليات الدولة بنفس تربوي واضح بعيدا عن كل النفحات الانتخابية والسياسية واتخاذ مواقف تستجيب لروح الإصلاحات الدستورية والجهوية التي يعرفها المغرب مادامت التدخلات الحالية لم تقو على تجاوز وضع اللامبالاة والخروج من الراهن الحالي الذي مازال ينتج اليأس والشك والهدر، إذ لم يعد خطاب العزم كافيا بقدر كفاية تنزيل مخططات مفصلية من جهة تؤطر المهنة ومن جهة تجفف الانزلاقات وترسي الشفافية وتجلب الثقة بلغة لا يلفها غموض ولا تفتح المجال أمام اجتهادات تقرأ التنزيل بعيونها وبمستوى معارفها ولم تقرأه في مستوى معارفه وأفكاره أي كبرمجة وتدبير جديد يخترق الأصول السابقة.
وهذا ما أدى في ممارسات سابقة إلى تأكيد القول الفلسفي القديم أنه من الحماقة أن تعتقد أنك ستحصل على نتائج جديدة وأنت تكرر الشيء نفسه.
إن القضية تتطلب فتح نقاش ابستيمولوجي فاحص للنظر في الأزمة الصامتة والاعتراف بمحدودية المنطق الذي يدبر به المرفق المنطق الذرائعي الذي تبدو فيه الشمولية بمثابة تمويه إيديولوجي لرؤية محدودة ومخدومة.
فماذا تريد الحكومة من مدرستها، وماذا يريده المتعلم والمدرس من مدرسته وبشكل أعم ماهي تطلعات وانتظارات كل الأطراف
ألم يحن الوقت ؟؟؟

*عضو السكرتارية الوطنية لهيئة الإدارة التربوية للنقابة الوطنية للتعليم العضو في الفيدرالية الديمقراطية للشغل

أترك ردا أو تعليقا مساهمة منك في إثراء النقاش

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: