آخر المستجدات

هكذا يدافع الأساتذة المتدربون عن المدرسة العمومية

عاصم منادي الإدريسي

 يعاني تعليمنا العمومي من عدة اختلالات تنعكس سلبا على المستوى المعرفي وعلى التحصيل العلمي للتلاميذ منذ أجيال. وهي اختلالات ترجع إلى أسباب وعوامل موضوعية نتجت عن السياسات الحكومية التي تستهدف في الصميم هذا القطاع الحيوي. فمنذ سنوات تفوق العقدين، بدأت محاولات التخلص من كل القطاعات العمومية الحيوية كالصحة والتعليم في أفق التخلص منها نهائيا وتفويتها للمستثمرين الخواص، وذلك تنفيذا لتعليمات صندوق النقد الدولي الذي يقدم توصياته للحكومة ويضغط عليها لخفض الإنفاق على القطاعات العمومية بدعوى أنها غير “منتجة”. ولن تكون منتجة ما لم تكن أجور مدرسيها ومالية مؤسساتها وميزانيتها تأتي ممن يدرسون فيها، وهو ما يعني بطريقة مباشرة تفويت التعليم العمومي للمستثمرين الخواص. غير أن هذه العملية  لن تتم بشكل مباشر يستفز مشاعر المواطنين ويرفع من مستوى الاحتقان الشعبي. بل بطريقة سلسة وتدريجية لتنفير عامة المواطنون من التعليم العمومي وإقناعهم بضعفه وعدم جدواه، وهو ما يتحقق اليوم بشكل لا نتنبه إليه ولا نستوعبه.  فنحن جميعا نتحدث بأسى عن ضعف التعليم العمومي وهشاشته وضعف جودته وإنتاجيته. لكننا لا نحدد المسؤوليات التي أدت إلى هذه النتائج الكارثية، تلك المسؤوليات التي حملتها الحكومة لنساء ورجال التعليم متهمة إياهم بضعف الكفاءة وتدريس الخرافات، رغم أن وزارتها الوصية على القطاع هي التي تمنحهم كفاءة التدريس وأهليته وتحدد لهم البرامج التي يعتمدونها كمرجعية للتدريس.

 واليوم، يميل أغلب المواطنين إلى إرسال أبنائهم إلى المدارس الخاصة معللين موقفهم بضعف جودة التعليم العمومي. لكنهم لا يعلمون حقيقة الاستهداف الذي يتعرض له هذا القطاع الحيوي، والذي لا يمكن إنجاحه في ظل انعدام الشروط الموضوعية التي لا يتحملها الأستاذ أبدا. فالأستاذ غير مسؤول أبدا عن البنيات التحتية المهترئة التي تعيشها المؤسسات التعليمية التي تعاني من قلة القاعات، وانعدام المرافق الصحية والمكتبات وقاعات المطالعة… وغير مسؤول عن النقص الهائل في الأطر التعليمية، وهو النقص الذي يفرز الاكتظاظ الكبير داخل الفصول الدراسية، والذي يفوق السبعين تلميذا في الابتدائي والخمسين في التأهيلي أحيانا، وكلنا يعرف استحالة التحصيل المعرفي وتحقيق الجودة في هذا الوضع، فمن هو المسؤول الحقيقي؟

نصل إلى الآن إلى قصة المرسومين القاضيين بفصل التكوين عن التوظيف وتقليص المنحة، يبلغ الخصاص في الأطر التعليمية ما يفوق الخمسة وعشرين ألف إطار، لكن الحكومة فتحت المباراة في وجه عشرة آلاف أستاذ متدرب، تنوي الاستغناء عن ثلاثة آلاف منهم نهاية الموسم، هذا ولم نحسب عدد المتقاعدين الذين سيغادرون نهاية الموسم الجاري. فكيف يستقيم عقلا أن تتحدث عن الجودة بينما لا يسد عدد موظفيك الجدد نصف حاجة قطاع حيوي كالتعليم؟ كيف تتحدث عن التحصيل العلمي وتمدد بالقوة لمتقاعدين بلغوا من الكبر عتيا، وبات أغلبهم في حاجة ماسة إلى الدواء، ويقضون أغلب وقتهم في عيادات الأطباء لعلاج الأمراض التي راكموها جراء عقود طويلة من الاستنزاف والمجهود والمعاناة؟ رفض الأساتذة المتدربين الخضوع لهذا القرار التخريبي، وخاضوا من أجل تحقيق ذلك معركة طويلة ومريرة ذاقوا فيها كل أصناف العذاب والقمع والإهانة والتحقير، وتحملوها بشجاعة منقطعة النظير، تحصينا لحقهم وحق أبناء الفقراء في توظيف عمومي يضمن لهم الحد الأدنى من العيش الكريم، تلك الوظيفة التي تسعى الحكومة إلى إقبارها لفتح المجال أمام العمل بالعقدة التي تتحرر فيها من التزاماتها المالية تجاه الموظف، خاصة ما تعلق منها بالتقاعد والتغطية الصحية والترقية والانتقال والتعويضات الأخرى. إن نضالات الأساتذة وتضحياتهم، يجب أن تفتح عيون المغاربة على حقيقة الهجمة الناعمة التي تتعرض لها المدرسة العمومية، وتنبههم إلى أن الدفاع عن هذا المرفق الحيوي الذي يقصده أبناؤهم ليس مسؤولية هؤلاء الشباب، بل هو مسؤولية مشتركة يتحملونها جميعا (مواطنون. نقابات. أحزاب سياسية. جمعيات المجتمع المدني..)، وإن كان يقودها هذا الجيل اليوم، فليس من المسؤولية والوطنية تركه وحيدا يكتوي بنار المعركة وحده. على الشعب المغربي أن يتحمل مسؤوليته وينزل لمؤازرة أبنائه الذين تحملوا مسؤولية تفوق قوتهم بإمكاناتهم البسيطة ووسائلهم الذاتية. على المغاربة أن يتخلو عن أنانيتهم الضيقة وينظروا بعيدا متطلعين نحو المستقبل. فمن لا يجد بين الأساتذة المتدربين ابنته أو ابنه أو شقيقه أو قريبه، فسيحين دوره مستقبلا.

المرجو عند كتابة التعليق أو الرد عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص و احترام الرأي الآخر، والابتعاد عن السب و الشتائم.

أترك ردا أو تعليقا مساهمة منك في إثراء النقاش

%d مدونون معجبون بهذه: