آخر المستجدات

دخول مدرسي بطعم الفشل

لحسن مجدي*

يبدو أن وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي تجيد التنظير أكثر من التطبيق في مجال إصلاح المنظومة التربوية، فكل محاولات الإصلاح تتبخر أدراج الرياح عبر مر التاريخ ومنذ فترة الحماية وما بعد سنة 1956، وكأن المسؤولين على تدبير المنظومة يستهدفون تدميرها عنوة وعن قصد لغاية في نفس يعقوب، ولن يسعفنا المقام هنا لسرد مخططات الإصلاح الفاشلة، لذلك سنقتصر على آخرها والتي سميت زورا بالرؤية الإستراتيجية 2015 – 2030 للإصلاح، والاسم المناسب لها هو الرؤية العشوائية المظلمة والغامضة لتدمير ما بقي من المدرسة العمومية ملجأ أبناء الشعب والطبقة المعوزة التي لا قوة لها على مسايرة الوزارة في مخططها الخفي والمتمثل في “لا وجود لتعليم مجاني” أو “التعليم بمقابل مالي”، إنها فعلا رؤية بعيدة كل البعد عن واقع المدرسة العمومية اللهم في التنظير وتسطير مشاريع على الورق لا صلة لها بواقع الحال، فكيف يعقل أن تسطر الوزارة برامج إصلاحية تتطلب ميزانية مالية مهمة لتوفير مستلزمات الاشتغال وتنزيل هذه البرامج والمشاريع وهي تقلص سنة بعد أخرى من الميزانية المخصصة لمجال التعليم العمومي لإرضاء المنظمات والمؤسسات المالية الدولية ولو على حساب العنصر البشري المغربي بتكوين أجيال تستطيع المساهمة في تنمية البلد في سائر المجالات، فإذا بدأنا بمجال الإنصاف وتكافؤ الفرص فالوضع مخجل للغاية والفرق شاسع بين التعليمين العمومي والخصوصي وبين العالمين القروي والحضري وضمنهما مفارقات جمة بخصوص طبيعة المتعلمات والمتعلمين من الجنسين والأطفال في وضعية خاصة، أما مجال الجودة للجميع فلا حديث في هذا الدخول المدرسي إلا على ما سمي بالمنهاج المنقح والنموذج البيداغوجي التي مافتئت الوزارة الوصية تطبل له في كل المناسبات والملتقيات، والدليل تذمر آباء وأولياء أمور التلاميذ وكل المهتمين والمعنيين بالمدرسة العمومية من هذا النموذج البيداغوجي الذي ستكون نتائجه كارثية بدون أدنى شك من حيث ضرب هوية المجتمع المغربي وتكريس العبثية والانفصام في شخصية الطفل المغربي، فالدارجة المغربية أمر معتاد لدى الطفل المغربي ولن يحتاج إعادة ترسيخها له كلهجة أو لغة داخل المدرسة، فكيف يعقل أن نخصص حيزا مهما من الكتاب المدرسي لتعلم اللغات سواء الفرنسية أو الانجليزية ونعمل على ضرب وتهميش اللغة العربية التي هي الأساس والأصل وهي لغة التواصل مع باقي الأجناس العربية، هل تفيذ الدارجة الطفل المغربي في هذا المجال مثلا؟
عموما لن نطيل في هذين المجالين على أساس العودة للكتابة حولهما فيما بعد، وسنركز الحديث على المجال الثالث من مشاريع الرؤية الاستراتيجية وهو مجال الحكامة والتعبئة، والذي رسم معالم تدبير إداري للنهوض بالمنظومة وتخليصها من كل التعثرات التي عانت ولازالت تعاني منها منذ زمن، لكن لن نخرج أبدا من منطق التنظير ونسج خيوط الأحلام الوردية التي لم تعد تستهوي المستهدفين والمعنيين بمنظومتنا التربوية، فعن أي حكامة وعن أي ترشيد نتحدث؟ عن أي تأهيل وعن أي ريادة وتجديد نتكلم؟ إلى أين تتجه هذه المسارات التي لن تولد إلا الفشل؟ وما هو هدفهم بالضبط من هذا العبث؟
فلنأخذ على سبيل المثال لا الحصر الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين الدار البيضاء – سطات وقس على ذلك باقي أكاديميات الدولة، هذه الأكاديمية التي تعاني خصاصا مهولا في أطر الإدارة التربوية، ولكم أن تتخيلوا عن أي نوع من الحكامة يريدون عندما يتم تدبير ثانوية تأهيلية بأكملها من طرف حارس عام وحيد عن طريق التكليف وثانويات أخرى بمدير وحارس عام وحيد – المديرية الإقليمية لمديونة نموذجا – وبطبيعة الحال من الحمق أن نتحدث في مثل هذه الأوضاع عن الريادة والتأهيل والترشيد وما جاورها من مفاهيم الأحلام الوردية في ثنايا مشاريع الرؤية اللا-استراتيجية، على اعتبار أن صلب الريادة في مجال التدبير الإداري للنهوض بالوضع الكارثي للمنظومة هو خلق الحيوية وتنشيط الحياة المدرسية وزرع بذور الإبداع والابتكار والتفكير الإيجابي وجعل المؤسسة فضاء لترسيخ كل القيم والمبادئ المتعارف عليها كونيا لتهذيب الأخلاق وإعداد مبتكر الغذ، لكن هذا لن يتأتى إلا بما يسمى بالتدبير التربوي الذي هو من المهام الأساسية والرئيسية للإطار الإداري وبه يتمكن من إحداث التغيير المنشوذ داخل المؤسسة، لكن وللأسف الشديد في ظل الظروف الحالية فلا مجال للحديث عن ريادة وتأهيل من هذا النوع، وخير دليل على فشل سياسة الوزارة الوصية في هذا المجال ما يقع من احتقان وتزايد التنديد والشجب والمظاهرات والاحتجاجات من طرف أطر الإدارة التربوية بفعل ما يعيشونه يوميا من معاناة داخل وخارج المؤسسات التعليمية نظرا لتعدد المهام والخصاص المهول في الأطر الإدارية وأطر الدعم التربوي والاجتماعي…، إن محاولات الوزارة الوصية تأهيل هذه الفئة بإحداث مسلك لتكوين أطر الإدارة التربوية منذ 2014 وإعطاء نفس جديد لتدبير المؤسسات التعليمية وفق منظور حديث كلها باءت بالفشل، وذلك لتعنت الوزارة وتشبتها بالمنظور القديم عوض التجديد والإبداع، حيث عملت على تهميش أطر كفؤة قادرة على قيادة التغيير والنهوض بحال المنظومة من داخل المؤسسات التعليمية، فما جدوى التكوين والتأهيل إذا لم يصاحبه التعيين بمهمة مناسبة تليق بحجم الكفاءة والطموح الذي تمتلكه هذه الفئة، لاسيما وأنها أبانت عن قدرة عالية في التدبير الإداري والتربوي طيلة السنوات الأربع منذ تخرجها من المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين خاصة بالثانوي التأهيلي، على الوزارة القطع مع تقلد المهام دون تأهيل أو تكوين سواء تدبير المؤسسات الثانوية أو تقلد مناصب المسؤولية بالأكاديميات الجهوية والمديريات الإقليمية…
إن تنزيل كل مشاريع الإصلاح ينطلق بالضرورة من المؤسسات التعليمية، ومعلوم أن عصب هذه المؤسسات هم أطر الإدارة التربوية لا من حيث التدبير أو التتبع أو التأطير… لذلك على الوزارة حلحلة وضعية هذه الفئة قبل التفكير في أي إصلاح ممكن.

*لحسن مجدي – متصرف تربوي – حارس عام – خريج مسلك تكوين أطر الإدارة التربوية

حاصل على الماستر في الحكامة العمومية وافتحاص التنمية البشرية

المرجو عند كتابة التعليق أو الرد عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص و احترام الرأي الآخر، والابتعاد عن السب و الشتائم.

أترك ردا أو تعليقا مساهمة منك في إثراء النقاش

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: