آخر المستجدات

حول إلغاء مجانية التعليم العالي والثانوي

محمد حمزة*

20180104_012918-1.jpgينص مشروع القانون-الإطار رقم 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتعليم والتكوين والبحث العلمي في المادة 42 منه على ما يلي: “تواصل الدولة مجهودها في تعبئة الموارد وتوفير الوسائل اللازمة لتمويل منظومة التربية والتعليم والتكوين والبحث العلمي، وتنويع مصادره، ولا سيما تفعيل التضامن الوطني والقطاعي، من خلال مساهمة جميع الأطراف والشركاء المعنيين، وخصوصا منهم الأسر الميسورة والجماعات الترابية والمؤسسات والمقاولات العمومية والقطاع الخاص، مع مراعاة المبادئ والقواعد المنصوص عليها في هذا القانون-الإطار”. اعتبر القانون-الإطار أن الأسر الميسورة تدخل ضمن الأطراف المستهدفة بالمساهمة في تمويل قطاع التعليم … وستساهم هذه الأوساط الميسورة من خلال أداء رسوم التسجيل بمؤسسات التعليم العالي والتعليم الثانوي التأهيلي على مراحل كما جاء في المادة 45 كما يلي :”تعمل الدولة طبقا لمبادئ الإنصاف وتكافؤ الفرص على إقرار مبدأ المساهمة في تمويل التعليم العالي بصفة تدريجية، من خلال إقرار رسوم للتسجيل بمؤسسات التعليم العالي في مرحلة أولى وبمؤسسات التعليم الثانوي التأهيلي في مرحلة ثانية، وذلك وفق الشروط والكيفيات المحددة بنص تنظيمي، مع الأخذ بعين الاعتبار مستوى الدخل والقدرة على الأداء”. هذا الإجراء المجحف المندرج في إطار التمادي في التنفيذ الحرفي لإملاءات المؤسسات المالية الدولية الهادفة لضرب القطاعات الاجتماعية بصفة عامة وقطاع التعليم خاصة … وهذا ما يتطلب بعض التوضيحات لمعرفة الفئات الاجتماعية المستهدفة فعليا من إلغاء مجانية التعليم …
1. عن أي ميسورين يتحدثون؟
في المادة 42، هناك حديث عن الأسر الميسورة مع العلم أن الميسورين درجات. إذا كان القصد هم البورجوازيون المليونيرات الذي يعدون بالآلاف، فإن هؤلاء قد هاجروا التعليم العمومي منذ البداية ولا يرضون بغير تسجيل أبنائهم في مؤسسات البعثة الفرنسية بدءا من الروض وانتهاء بالمدارس العليا والكليات الفرنسية … وبالتالي، كل من يعزف على هذا الوتر غير الواقعي فهو منافق وبالأحرى كاذب.
وخلافا لهذا، فالأمر يتعلق بالطبقة الوسطى التي قال عنها الحليمي منذوب التخطيط أنها تمثل نسبة 55.8 في المائة من مجموع السكان مقابل 39.4 في المائة بالنسبة للفئات الاجتماعية المتواضعة (الفقراء والفقراء نسبيا)، بينما تشكل الطبقات الغنية والغنية نسبيا 3.2 في المائة. هذا مع العلم أن الفئات الدنيا من الطبقة المتوسطة تتشكل من 26.1 في المائة من المستخدمين والحرفيين والعمال المؤهلين في المهن الحرفية و 26.7 في المائة من المتقاعدين وغير النشيطيين و12.6 في المائة من الأطر المتوسطة والتجار والوسطاء الماليين و4.4 في المائة من العمال الفلاحيين وغير الفلاحيين و4.4 في المائة من الأطر العليا وأعضاء المهن الحرة حسب مندوب للتخطيط دائما.
على ضوء هذه الإحصائيات، يستفاد أن الأغنياء البورجوازيين الذي طلقوا التعليم العمومي نهائيا لا يمثلون إلا 3.2 في المائة. أما الفقراء، فيمثلون نسبة 39.4 في المائة من الشعب المغربي وهم سيستفيدون من المجانية نظريا ولكن أغلبهم سيكونون عمليا قد غادروا النظام التعليمي قبل الوصول إلى التعليم الثانوي. مما يعني أن القول بإعفاء الفقراء هو نفاق ما بعده نفاق ما دام القائمون على شؤون التعليم يعرفون حق المعرفة أن الفقراء مقصيون من التعليم بالتدريج. وعليه، فإن الفئات المفروض عليها الأداء لمتابعة دراستها في التعليمين الثانوي والعالي تمثل 57.4 في المائة من المغاربة. هذه هي الفئات التي يراد لها أن تتحمل مسؤولية تمويل التعليم العمومي مستقبلا ولا تستثنى حتى الشرائح الدنيا منها. وربما تم اللجوء إلى الفئات “العليا” من الفقراء لاستخلاص واجبات التمدرس. وبهذا الصدد، علينا ألا ننسى أن أعدادا كبيرة من الطلبة قد حرمت من المنح بمبرر أن مدخول أوليائهم يساوي 3000 درهم لكون هؤلاء الآباء يعدون ضمن الميسورين، فإذن، فإن الممكن أن يحدد مدخول معين بشكل تعسفي للفصل بين من سيؤدي وبين من هو معفي من الأداء كما كان الشأن بالنسبة للمنح في ثمانينات القرن الماضي إبان تطبيق برنامج التقويم الهيكلي المملى من طرف المؤسسات المالية الدولية. المهم هو أن الدولة ستلجأ حاليا إلى هذا الإجراء للتقليص من النفقات في التعليم من جهة وتعميق وتيرة التصفية ضد بنات وأبناء الطبقات المتوسطة والفقيرة والحيلولة دون متابعة دراستهم من جهة ثانية.
2. المساهمة في التمويل تتجاوز الرسوم المعتادة
الملاحظة الأولى هو أن التلاميذ والطلبة متعودون دوما على أداء بعض الرسوم كلما تمت إعادة تسجيلهم في مؤسساتهم. مما يدل على أن النظام التعليمي المغربي لم يكن أبدا مجانيا سيما إذا أضفنا ما تنفقه الأسر المغربية على بناتها وأبنائها عند الدخول المدرسي وكلما كانوا بحاجة لبعض مستلزمات الدراسة … حاليا، يبدو أن المساهمات في التمويل المطروحة تتجاوز ما هو مطبق سابقا وتشبه ما يقصده الفرنسيون ب Les frais de scolarité أي أن التلميذ أو الطالب يمول دراسته ولا يكتفي بأداء بعض الرسوم غير المكلفة مثل التأمين وجمعية آباء وأولياء التلاميذ … المسألة تتعلق في هذه الحالة بالمساهمة الفعلية في تمويل ميزانية التعليم الثانوي والعالي بشقيها المرتبطين بالتسيير والاستثمار …
وقد بدأت تلوح بعض المؤشرات حول المقادير المالية المفترض أداؤها لمتابعة الدراسات الجامعية من خلال ما فرضته عدة كليات سابقا على طلبة الماستر الموظفين وظهر أن “رسوم التسجيل” حسب قول البيان تقدر بالملايين. إذا كانت هذه المقادير هي نمادج من الأسعار المعتمدة في الكليات، بكم ستقدر هذه الأثمنة في مدارس المهندسين أو بالنسبة للدكتوراه وغيرها مثلا … كل ما هنالك هو أن الدراسة في الكليات والمدارس العليا تتطلب من الطلبة تخصيص ميزانيات ضخمة لتحقيق رغباتهم في متابعتها. وسواء أقر المجلس الأعلى بذلك أو نفاه، فإن هذه المبالغ المستخلصة من الطلبة ستغطي جزءا غير يسير من تكاليف الدراسة أو مجموعها.
على مستوى الثانويات، يمكن الاستئناس بالأثمنة المؤداة في التعليم الخاص لقياس مدى مساهمة هذه المبالغ في تغطية تكاليف الدراسة كليا أو جزئيا في التعليم الثانوي.
في كل الأحوال، فإن التلاميذ والطلبة الذين سيدفعون الأموال لمتابعة دراستهم سيساهمون في تمويل النظام التعليمي …
والمشكل الخطير من جهة ثانية هو الحرص على تغليف كل إجراء يريد النظام فرضه بطابع الواجب الوطني بدءا من الزيادة في السكر عقب فيضانات واد زيز في ستينات القرن الماضي إلى الزيادة في ساعات العمل بالنسبة لنساء ورجال التعليم والضريبة على التلفزيون … ولا تزال خزينة الدولة تتوصل بهذه “الواجبات الوطنية” ولم تتراجع عنها قط إلى حدود الساعة. اعتماد هذا الخيار هو بمثابة اللجوء إلى الأساليب الاستبدادية لفرض إملاءات المؤسسات المالية الدولية قسرا في قضية التعليم العمومي.
خلاصات
لقد طرح إلغاء مجانية التعليم منذ أن استطاع البنك العالمي وصندوق النقد الدولي إرغام النظام على تنفيذ برنامج التقويم الهيكلي سنة 1983… وها قد حان دور خوصصة التعليم العمومي في نظر النظام المستعين بخدمات الإسلامويين والأحزاب “الوطنية” والإدارية على السواء والمسخر للمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي ليصبغ على قراراته طابع “الديمقراطية”. كل الشروط متوفرة – إذن – لتبضيع وتسليع قطاع التعليم العمومي من خلال إلغاء مجانية التعليم الثانوي والتعليم العالي تحت مبررات غير مقنعة تدعي استهداف الميسورين بهذا الإجراء بينما تدل الوقائع أن المستهدفين هم بنات وأبناء الطبقات الفقيرة والمتوسطة بحكم أن البورجوازيين المغاربة يدرسون في مؤسسات البعثة الفرنسية بصفة خاصة. الغاية من اتخاذ هذا الإجراء هو خوصصة التعليم العمومي أولا وتعميق وتيرة التصفية ضد الفقراء والفئات المتوسطة ثانيا ليتم الفرز الساطع بين المتمدرسين حسب وسطهم الاجتماعي الطبقي وبناء “صور برلين” بين مسلكين deux filières يكتسيان طابعا طبقيا فجا وساطعا :مسلك التعليم الابتدائي والإعدادي المخصص لأبناء وبنات الطبقات الفقيرة والمتوسطة ومسلك التعليم الثانوي والعالي المخصص لأبناء الرأسماليين المغاربة. زيادة على تخريب قطاع التعليم العمومي، هذا ما يصبو إليه النظام والبيادق الذين يساندونه من أجل إلغاء مجانية التعليم.

*أستاذ التعليم العالي

المرجو عند كتابة التعليق أو الرد عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص و احترام الرأي الآخر، والابتعاد عن السب و الشتائم.

أترك ردا أو تعليقا مساهمة منك في إثراء النقاش

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

%d مدونون معجبون بهذه: