آخر المستجدات

تفاعلا مع موضوع نشر لوائح المتغيبين من قبل وزارة التربية الوطنية بين سلطة القرار وسندان القانون

ذ عبد المجيد كوزي

ويستمر موضوع نشر لائحة تغيبات الأساتذة وعملية نشرها في الموقع الخاص بوزارة التربية الوطنية يثير الكثير من الجدل التربوي والقانوني حول الصلاحيات المسموح بها للوزارة المكلفة بتدبير قطاع التربية والتكوين في نشر أسماء المتغيبين والمتغيبات من رجال ونساء التعليم تطبيقا لمبرر تحقيق قدر كبير من الشفافية، لكن العديد من الأصوات ارتفعت منددة بهذا الإجراء واعتبرته حقا أريد به باطل غايته التشهير بالسيدات والسادة الأساتذة، وتحميلهم فشل منظومة التعليم وإلصاقها بهم بعد أن فشلت الدولة في إيجاد حل جدري لمشاكل القطاع.
الموظف في قطاع التعليم كما باقي قطاعات الوظيفة العمومية، من حقه التغيب بمبررات نظمها قانون الوظيفة العمومية وأقر لكل المخالفين لمقتضياتها الجزاء المناسب، وبالتالي لا يحق لأحد التشهير به عبر نشر معطياته الشخصية للعموم، فكيف عالج المشرع المغربي مسالة موضوع الحماية انطلاقا من القانون 09-08 وأيضا من خلال مقتضيات القانون الجنائي المغربي؟
1 حماية الموظف العمومي من تعسف الإدارة انطلاقا من القانون 09-08
لقد حاول المشرع المغربي تكريس مبدأ منح حماية إضافية للحقوق والحريات والمنصوص عليها دستوريا من خلال قانون حماية للبيانات والمعطيات ذات الطابع الشخصي، والتي تدخل ضمن هيئات الحكامة والتقنين والتي أقرها القانون 09-08 المنظم والمؤطر لحماية الأشخاص الذاتيين، باعتباره مظهرا من مظاهر الحماية المعاصرة للحياة الخاصة، في الزمن المعلوماتي من خطر هذه، معالجة المعطيات الشخصية.
حيث أبرز المشرع المغربي الشروط القانونية لضمانات حقوق الشخص المعني بمعالجة معطياته الشخصية أينما وجد بغض النظر عن طبيعة الوظيفة أو المهام الموكولة إليه، وأيضا الواجبات المحددة في القانون 09-08 السابقة لعملية المعالجة، والتزامات المسؤول عن المعالجة أثناء وإثر المعالجة، خاصة مسألة احترام مبدأ الغاية منها، وسريتها وسلامتها، وأيضا واجبات التحقق من مبدأ التصحيح والإصلاح، والتحيين والتعرض، وجودة المعطيات وعملية إعدام هاته المعطيات ذات الطابع الشخصي.
كما جرم القانون المغربي 09-08 مساس معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي وترك المشرع المغربي الباب مفتوحا للأشخاص المتضررين من المخافة لتقديم طلباتهم المدنية.
أيضا وبخصوص معالجة المعطيات الشخصية دون إخبار الشخص المعني بالمعالجة وأقر العقوبة المناسبة لهذه الجريمة بعقاب المسؤول عن المعالجة، كما جرم الإخلال بمبدأ الشرعية في المعالجة حيث إن الإخلال بواجب احترام مبدأ الغاية من المعالجة أو عدم احترام مبدأ السرية يعد جريمة تستوجب جزاءا زجريا، وتبعا لذلك فإن كل من توال جمع المعطيات الشخصية لأغراض غير مشروعة.
وهكذا نجد المادة 56 من القانون 09-08 تجرم فعل معالجة المعطيات دون رضى الشخص المعني بالأمر، فرضى الشخص المعني بالمعالجة يعني التعبير الإرادي بشكل لا يترك مجالا للشك عن رضاه عن العملية أو مجموع العمليات المزمع إنجازها وحدد لكل مخالف للقانون عقوبة حبسية من 3 أشهر إلى سنة وبغرامة من 20.000 درهم إلى 200.000 درهم، أو إحدى العقوبتين.
وفي صورة الإخلال بمبدأ السرية وذلك من خلال عدم اتخاذ المسؤول عن المعالجة أو المناول الاحتياطات اللازمة لحماية تلك البيانات، والحيلولة دون إتلاف أو إطلاع أي شخص غير مرخص له بذلك يكون معرضا للعقوبة طبقا لمقتضيات المادة 58 من القانون حماية المعطيات الشخصية.
2 – حماية السر المهني للموظف العمومي من خلال القانون الجنائي
تعبر الحماية المقررة للحقوق والواجبات التي يتمتع بها الموظف العمومي في قطاع التربية والتكوين ذات الأولوية في مسار تكوينه وعطائه المهني، إذ تعد أخلاقيات مهنة التعليم من أهم الموجهات المؤثرة في سلوك المربي لأنها تشكل لديه رقيبا داخليا وتزوده بأطر مرجعية ذاتية يسترشد بها في عمله، ويقوم أداءه وعلاقاته مع الآخرين تقويما ذاتيا يعينه على اتخاذ القرارات الحكيمة التي يحتاجها ليكون أكثر انسجاماً وتوافقاً مع ذاته ومع مهنته ومع الآخرين.
فإذا كان الموظف ملزما بكتمان السر المهني فإنه حري برؤسائه على المستوى المركزي الالتزام بنفس النهج والمسار، احتراما لمبدأ القاعدة القانونية التي تتميز بالعموم والتجرد وكونها اجتماعية ويترتب عن الإخلال بمقتضياتها الجزاء الذي توقعه السلطة المختصة فالمغاربة سواسية أمام القانون.
حماية السر المهني إذن من المواضيع الهامة والبالغة التعقيد في الوظيفة العمومية عامة وبقطاع التعليم تحديدا، وذلك لارتباط السر المهني بمختلف فروع القانون، وقد أقر القانون الجنائي حماية جنائية للسر المهني، من خلال الفصلين 446 و 447 من مجموعة القانون الجنائي، لكن المشرع المغربي ارتقى بهذه الحماية من حماية قانونية صرفة، إلى حماية دستورية، الأمر الذي يبرز اهتمام المشرع بهاته الأسرار لارتباطها الوثيق بالحياة الخاصة للأفراد، فقد نص الفصل 24 من دستور 1 يوليوز 2011 في فقرته الثالثة:
لا تنتهك سرية الاتصالات الشخصية، كيفما كان شكلها ولا يمكن الترخيص بالإطلاع على مضمونها أو نشرها كلا أو بعضا، أو باستعمالها ضد أي كان إلا بأمر قضائي وفق الشروط والكيفيات التي ينص عليها القانون، فالدستور المغربي قد انتقل هنا في حماية السر المهني من حماية قانونية سواء كانت مدنية أو جنائية إلى حماية دستورية الأمر الذي يبرز اهتمام المشرع المغربي بالأسرار المهنية وارتباطها الوثيق بحياة الأفراد الخاصة.
فالأسرار التي يودعها الأفراد لدى المهنيين يطلق عليها “الأسرار المهنية”، وتعتبر من أدق الالتزامات التي تقع على عاتقهم، بل إنها من المواضيع بالغة التعقيد، هذا راجع لطبيعة هذا الالتزام، الأمر الذي يجعله يحاط بإطار من الخصوصية والسرية، فالخصوصية هي تعبير عن حق الإنسان في التعامل مع حياته الخاصة بما يراه وهي بهذا المعنى تقترب من السر ولا ترادفه، فالخصوصية قد تتوافر بالرغم من عدم وجود السرية.
على الرغم من أن القانون قد جاء خاليا من تعريف السر وتحديد معناه، إلا أن ذلك لم يمنع الفقهاء من الاجتهاد في وضع تعريف له، فعرفه بعض الفقه بأنه كل أمر يضر بسمعة الشخص وكرامته، وهناك من يقول بأن السر هو كل ما يعرفه الأمين أثناء أو بمناسبة ممارسته عمله، ويؤدي إفشاؤه ضررا بشخص أو بعائلة، إما بالنظر إلى طبيعة السر أو بالنظر إلى الظروف التي تحيط به وثمة من يقول بأن الواقعة تعد سرا إذا كان هناك مصلحة يعترف بها القانون في حصر العلم بها في شخص أو أشخاص محددين.
يقوم الموظف عند مباشرته لمهام وظيفته بالإطلاع على كثير من المعلومات والوثائق والبيانات التي في حوزته والتي يكون من المصلحة العامة أن لا يعلم بها إلا من يؤتمن عليها، ويختلف مضمون الأسرار الوظيفية من إدارة إلى أخرى، بل إن السر الإداري يختلف بوجه عام عن الأسرار الحكومية التي تهم الدولة ككل ويختلف عن أسرار الأفراد الخاصة.
وقد ألزم الفصل 446 ق.ج.م بعد تعداده لبعض المهن الموظف بكتمان الأسرار التي أودعت لديه بقوله: “إن كل شخص يعتبر من الأمناء على الأسرار بحكم مهنته أو وظيفته” فالأسرار المقصودة هي التي يؤدي إفشاؤها من طرف الموظف إلى تعريض المصلحة العامة للخطر، بالإضافة إلى تعريض سير المرفق العام وإصابة مصالح المواطنين بالضرر، ويظل التزام الموظف بكتمان أسرار وظيفته حتى مغادرته لعمله، ويسأل جنائيا عن أي خرق لهذا الالتزام، فالتزام الموظف بالسر الإداري راجع إلى المكانة التي يشغلها في خدمة الدولة وينطبق ذلك على كافة الموظفين بسائر درجات السلم الوظيفي من الوزير إلى الموظف الصغير.
والمشرع المغربي عاقب في الفصل 446 من القانون الجنائي مرتكب جريمة إفشاء السر المهني “بالحبس من شهر إلى ستة أشهر، وغرامة من ألف ومائتين إلى عشرين ألف درهم”.
وعليه سواء عند استحضارنا للقانون 09-08 أو للقانون الجنائي أو قانون الوظيفة العمومية فإننا لا نجد مبررا قانونيا لنشر لوائح نساء ورجال التعليم بل نجد تشهيرا وإساءة لأسرة التعليم تستوجب تطبيق القانون والمساءلة القانونية لكل من سولت له نفسه المس بحقوق رجال ونساء التعليم بل وشطط في استعمال السلطة ضد رجال ونساء التعليم باعتباره إجراءا تعسفيا لا يخدم الاستراتيجية التعليمية التعلمية ولا يمث للقانون بصلة مهما حاولوا تغليفها بالمبررات، بل اعتداءا صريحا على حقوق الشغيلة التعليمية.

الهوامش

1 المادة 54:” يعاقب الحبس من 3 أشهر إلى سنة وبغرامة من 20.000 درعهم إلى 200.000 درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط ، كل من قام بخرق أحكام أ و ب ج من المادة 3 من هذا القانون بجمع معطيات ذات طابع شخصي بطريقة تدليسية أو غير نزيهة أو غير مشروعة ، أو أنجز معالجة لأغراض أخرى غير تلك المصرح بها أو المرخص لهان أو أخضع المعطيات المذكورة لمعالجة لاحقة متعارضة مع الأغراض المصرح بها أو المرخص لها.
2 المادة 58: يعاقب البحبس من 3 أشهر إلى سنة وبغرامة من 20.000 درهم إلى 200.00 درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط كل من قام أو عمل على القيام بمعالجة معطيات ذات طابع شخصي دون إنجاز الإجراءات الهادفة إلى حماية أمن المعطيات ا لمنصوص عليها في المادتين 23 و 24 أعلاه.

أترك ردا أو تعليقا مساهمة منك في إثراء النقاش

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: