آخر المستجدات

الاعتناء بالهندام وتنظيم دقيقتين للكراهية

سومية الرياحي

wp-1500656506538.يدعونا الوزير حصاد، نحن الأطر التعليمية والإدارية بالقطاع إلى الاعتناء بالهندام، أسئلة كثيرة تطرح في هذا الباب، كيف سيتم هذا الاعتناء؟ هل ستخصص لنا الوزارة ميزانية على الهامش؟ تخول لي كأستاذة شراء ما طاب لي من الملابس التي ستشعرني بإنسانيتي قبل أن تقيني حر الصيف وبرد الشتاء، وستحفظ كرامتي وتعفيني من تصيد فرص التخفيضات التي ترهق جسدي الخمسيني؟ هل ستباذر كل أكاديمية على حدى في إطار الأجرأة الحقيقية للجهوية الموسعة على اختيار هندام موحد يعكس تميزها؟ كأن يختار للرجال الجلابيب والطرابيش وللنساء القفاطين القصيرة الأكمام لكن بلون غامق اتقاء لما قد يعلق بها من الأوساخ والشوائب ؟ هل ستتفتق مخيلة الوزارة انسجاما مع الفئوية التي ابتدعتها؟ فتتحايل بفرض ألوان معينة لهذا الهندام أوذاك، كأن تختار للأستاذ الرسمي اللون الأزرق الغامق لكي تشعره بأن زمن الاندماج في الوظيفة العمومية قد ولى، وبأنه هو وأصحابه سيكونون في طور الانقراض، وكأن تختار للأستاذ المتعاقد لونا يصعب تحديد ماهيته لكي تنبهه في كل لحظة وحين إلى وضعيته المبهمة الغامضة التي تراوح مكانها بحسب مدى استجابته لشروط التعاقد، وقد تقترح وزارتنا أيضا على الأستاذ الذي لحقه حيف التمديد اللون الأبيض، لكي تذكره بقرب النهاية اللون الأبيض هو علامة الوقار قد يكبح جماح البعض في الاعتداء عليه خصوصا أيام الحراسة، كما سيكون هذا اللباس أوسع وأريح لأن العظام بلغ منها الوهن مبلغها وستقترح الوزارة بحسن نية على الإدارة التربوية نوعين من الهندام، واحد يخص أصحاب الإسناد والآخر لأهل المسلك. لكن الوزارة ستحرص على تقوية إحساسهم بأنهم جسد واحد، ولأن إمكانية ارتداء نفس البدلة لسنة دراسية بأكملها أمر مستحيل. أخمن بأن بعض العاملين بالقطاع سيلجاؤون مضطرين إلى تعلم فن الخياطة، يخيطون بدلاتهم بأنفسهم اقتصادا للمال واستجابة لروح الأناقة التي كانت دوما جزء من هوية الأستاذ.
وماذا عن هندام النساء العاملات بالقطاع؟
أقترح عليهن ارتداء التنورات، وأحبذ التنورة القصيرة المدى طبعا بألوان زاهية ستعبر عن سعادتهن ومرحهن وهن يقمن بعملهن. إن اقتراحي لارتداء التنورة لم يكن صدفة بل يعكس رغبة متأصلة في نفسي وربما مكبوتة.
إحدى صديقاتي العزيزات بهيجة حساني. اقترحت أن تفرض الوزارة على النساء العاملات بالقطاع زيا شبيها بمضيفات الطيران للخطوط الخليجية، حبذت الفكرة، لكن إمكانية تطبيقها ستطرح العديد من الإكراهات، فقد تفرض الوزارة على النساء تخسيس الوزن اقتصادا للثوب، خصوصا إذا تصدقت عليه بنا، بحجة أن يكن أكثر رشاقة وجاذبية. الجاذبية التي تحفز التلاميذ على التعلم طبعا، وإذا مانجحت التجربة فقد تفرض الوزارة عليهن دون الرجال رسم قسط معين من الابتسامة على محيا كل أستاذة، بل قد يؤخذ بهذا الشرط معيارا للترقية وللحركة الانتقالية، سيتم التنقيط وفق حنكة خبراء ستكونهم الوزارة في هذا الباب. فالأستاذة العابسة ذات الهندام المهمل ستجد نفسها مقصية في ظلمة المناطق النائية، أما المطيعة لما جادت به قريحة الوزارة فستعيش السلم المهني، ترقية ممكنة وحركية مجالية في حدود الجهوية الموسعة.
وسيكون من حسنات الإلغاء المرتقب للحركة الوطنية، أن العاملين بالقطاع لن يضطروا إلى تغيير بذلاتهم التي عهدوا العمل بها في جهاتهم الأصلية.
سمح لي خيالي العجيب، بتخيل ذاتي وأنا أرتدي التنورة إسوة بزميلاتي، لكن خيالي لم يطاوعني في رسم مشية جذابة، بخطى محسوبة على شاكلة مضيفات طيران الخطوط الخليجية. لأن الوهن والإحساس بالعبث يمنحني الشعور والقناعة بأن واقع التعليم لا يتغير بالقشور.
ذكرتني حكاية الهندام هذه، بإحدى مقاطع رواية جورج أورويل 1984 حيث وصف بعبقرية فذة القهر الذي يعانيه كل العاملين بالمؤسسات العمومية، كل مؤسسسة تخصص دقيقتين للكراهية يعبر فيها العامل عن كرهه لكل من سولت له نفسه معاداة النظام.
ماذا لو أرفقت وزارتنا مطلب تحسين الهندام بتخصيص دقيقتين كل صباح، تجرى فيها فعاليات الكراهية، كراهية من يسائل المذكرات والإجراءات التعسفية في حق ذوي الحقوق.
لن أرتدي التنورة على الإطلاق.

أترك ردا أو تعليقا مساهمة منك في إثراء النقاش

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: