آخر المستجدات

ابنوا المواطنة واحترموها، ودعوها تتكفل بالباقي

عاصم منادي إدريسي
Assem1تمثل قضية الصحراء المغربية شوكة في خاصرة المغرب، تستعملها القوى العظمى كوسيلة ضغط للتدخل في القرار السياسي المغربي وتوجيهه ورسم حدوده. وبين الفينة والأخرى تخرج المؤسسات الدولية بمواقف تخيف المغرب وتثير قلقه، وهي المواقف التي تتلقفها الجزائر وأزلامها داخل جبهة المرتزقة بفرح وسرور وتروج لها إعلاميا بل وتدفع مقابلها تعويضات مادية ضخمة جدا، بينما يعيش أغلب الشعب الجزائري الفقر المذقع.
لكن ردود الأفعال التي يظهرها المغرب الرسمي ضد هذه المزايدات تتسم بالابتذال والسطحية. خاصة ونحن نعلم أن المتدخلين الدوليين في القضية يعرفون خبايا ما يجري في المغرب بالتفاصيل الدقيقة، ويستخدمونه بالدليل والصورة في الوقت المناسب ضده.
من بين أهم أوراق الضغط التي يزايد بها المنتظم الدولي ضد المغرب فيما خص قضية الصحراء المغربية نجد المسألة الحقوقية. فقد كثرت في الآونة الأخيرة خرجات المدعو كيمون التي يعبر فيها عن قلقه (هذا ما يقوم به دوما) من الوضع الحقوقي والإنساني المتردي في البلد. وهي حقيقة واقعية لا يسعنا إنكارها أو تكذيبها (رغم علمنا بأنها كلمة حق أريد بها باطل) بل نحتاج إلى فتح نقاش عمومي بصددها، وهي وحدها التي ستكون مدخلا حقيقيا لبناء فكرة المواطنة الكاملة وغرس الانتماء الوطني في نفوس الناس.
تقتضي فكرة المواطنة أن تتم معاملة جميع الناس داخل الدولة باعتبارهم مواطنين متساوين في الحقوق والفرص والواجبات وأمام القانون بغض النظر عن نسبهم ودينهم ولغتهم ومذهبهم وطائفتهم، عندما يتربى المواطن في بلد يحترم كرامته وإنسانيته ويحمي حرياته العامة خاصة منها حريات التعبير والتفكير والمعتقد بسلطة القانون، يشعر بالانتماء الحقيقي لهذا الوطن، ويحمل ذاته استعدادا طبيعيا للتضحية من أجله بكل ما يستطيع.
نحتاج اليوم إلى بناء هذه المواطنة التي تجعل كل واحد منا يحس بأنه محترم، ومن مظاهر هذا الاحترام أن يكون هذا الوطن رحيما بأبنائه متسعا للجميع دون تفاوت ولا تمييز. ينبغي أن نشعر جميعا بأن الوطن ليس ملكا لأي شخص، بل هو ملك لكل المواطنين.
ليس من المواطنة في شيء أن يقسو الوطن على الآلاف من خيرة أبنائه ويجوعهم ويعذبهم وينكل بهم، وهم الشباب الذين سيبثون روح المواطنة في الأجيال المقبلة.
ليس من المواطنة في شيء استهداف التعليم العمومي بسياسات تخريبية وتكريس قيم التمييز والتفاوت والجهل والأمية والانحطاط.
ليس من المواطنة في شيء تكريس قيم الطغيان والغطرسة والتعنت وفرض الأمر الواقع على الفقراء والضعفاء بالقوة وعدم احترام إرادة الشعب.
ليس من المواطنة في شيء إرهاق المواطن البسيط بالغلاء وضرب قدرته الشرائية، وتحميله مسؤولية إفلاس الصناديق والمؤسسات المالية العمومية، وإرغامه على تسديد فواتير الفساد والمفسدين ولصوص المال العام.
ليس من المواطنة تسليط القمع والعنف ضد كل المعارضين المحتجين ضد السياسات اللاشعبية للحكومة ومعاملتهم كمجرمين يهددون أمن المجتمع وسلامته.
على الدولة الحقيقية أن تستوعب ما يلي. إن قوتها تزداد متاتة ويصبح أمنها أكثر صلابة كلما فتحت المجال أمام الحريات العامة واحترمت حقوق مواطنيها وعاملتهم باحترام. إن احترام الدولة لكرامة مواطنيها يجعلهم أكثر تمسكا بالوطن وحبا له ووفاء لقضاياه. ويوم تتحقق هذه المواطنة لن يحتاج المواطنون إلى دعوة الحكومة للاحتجاج ضد من يسيء للوطن قولا وفعلا، بل سيخرجون طواعية ويتنقلون من ماليتهم الخاصة ويضحون بكل ما يستطيعون من تلقاء أنفسهم.
إنه لمسيء جدا أن يشاهد الوطن مأساة إنسانية يبلغ عدد ضحاياها عشرة آلاف تقع تحت ناظره، وهي ليست مأساة عادية، لأن الاستمرار فيها سيخلف عطبا اجتماعيا يدمر أجيالا متنوعة من أبناء هذا الشعب.
على الحكومة أن تفهم درس اليوم، فالوطن يحتاج مواطنين لا عبيدا، يحتاج إلى أحرار  ومتعلمين ومسؤولين، وليس إلى جهلة وأتباع وأنصار ورعية.
درس اليوم أكد للدولة نفسها أن الوطن يحتاج للمواطنين جميعا، وليس للأغنياء والأقوياء وذوي النفوذ والسلطة. وعليها أن تقطع مع ممارسات القمع والاستعباد واحتقار الإنسان وضرب حقوقه وكرامته، وبهذه الطريقة ستكون قد ربحت من ناحيتين.
يتجلى الربح الأول في أنها ستصنع مواطنا بشرفه وكرامته وإنسانيته، محبا لوطنه متفانيا في عمله مخلصا في واجبه وفيا لإنسانيته.
أما الربح الثاني فسيمكنها من قطع الطريق على المؤسسات الحقوقية العالمية التي تستغل ملف حقوق الإنسان للضغط على موقف البلد.
إنها فرصة تاريخية لنبدأ صفحة جديدة، فالمشكل الجغرافي ليس مبررا كافيا لنعطل كل تطلعاتنا المشروعة نحو الديموقراطية وحقوق الإنسان ونجمد مشاريع العدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة بطريقة عادلة في انتظار حله.
على الدولة أن تعمل على بناء المواطنة، وهذه الأخيرة ستتكفل بالباقي.
عاش الوطن بأكمله وعاشت كرامة المواطن.

المرجو عند كتابة التعليق أو الرد عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص و احترام الرأي الآخر، والابتعاد عن السب و الشتائم.

أترك ردا أو تعليقا مساهمة منك في إثراء النقاش

%d مدونون معجبون بهذه: