آخر المستجدات

من الفكر المؤسساتي إلى القضية التربوية

عبد الحفيظ زياني

photostudio_1497744798233حتى نقف مطولا عند حدود مصطلح الفكر المؤسساتي، لابد من تعريف المؤسسة أولا أنها جسد يمثل كيانا منظما، يمتلك جملة القواعد والضوابط القارة التي يتم وضعها للتأسيس لسلوك إنساني تفاعلي على مستوى الغاية الكبرى ليخدم مختلف الجوانب، بما فيها الاجتماعي الاقتصادي التربوي في اتجاه صنع كيان منسجم، من بين أهدافه الأساسية: بناء المدنية كرهان بات حتميا ومصيريا، إنها، أي المؤسسة، تتضمن خطة وبرنامج يحترم الأولويات وينضبط لمعادلة الحق والواجب ليصبح بإمكانه خلق فكر البراكسيس أو الممارسة.
إن من بين المؤشرات الدالة على مدى نجاعة الفكر المؤسساتي المسؤول عن الرفع من الإنتاجية والقادر على استثمار الموارد، هي بالتأكيد تلك العملية التي تقوم ببناء واقع وحقيقة الميدان السسيو اقتصادي الراهن، والذي يعكس بجلاء مدى قدرة أصحاب الشأن على خلق تصور يسير بالمؤسسة نحو الأفضل، من خلال وضع خريطة طريق تضمن تحقيق الغاية من وجودها، ثم خدمة العنصر البشري الذي يعتبر في إطار ازدواجية الأدوار، آلية وهدفا في نفس الآن.
قد ينعدم التخطيط للأهداف، ويغيب استحضار الأهمية البالغة للبرامج عند بعض مسؤولي تسيير المؤسسات ذات الطابع السيكوسسيولولوجي، والسسيو اقتصادي أيضا، كمرحلة البداية التي تعتبر ذات أهمية كبرى قد تحسم النتيجة النهائية لمسار وتوجه المؤسسة نفسها، فالتخطيط لمسيرة التنمية واعتماد آليات النجاعة التي تروم الرفع من المردودية، المرتكزة بالأساس على البيئة كمكون رئيسي، هي الضامن الفريد الذي يسمح للمؤسسات بالمحافظة على مكانتها داخل المجتمع، فبالأحرى خدمة متطلباته الملحة والضرورية، بالتأكيد فإن الترجمة الفعلية والواضحة لفكر المؤسسة تجسدها الرؤيا الشمولية والعقلانية لحقيقة ووضعية الواقع التركيبي لمكونات الكيان المجتمعي، آلياته ووظائفه، الشيء الذي يجعلنا أمام إكراه في حاجة ملحة للبحث عن الحلول المتمثلة في إيجاد القواعد المؤسسة لفكر من هذا القبيل، فما يروم تحقيق المبتغى، هو جعل نظام العمل، شروطه وظرفيته، في صلب الاهتمام خدمة للإنتاج، إلى جانب اعتماد استراتيجية محكمة، قادرة على تجاوز الاختلالات العميقة في النهج والممارسة، ثم اعتماد الإدارة بالأهداف أسلوبا ومنهاجا، بناء على مقاربة ترتكز على حسن اندماج الطاقات البشرية، فتفاعل العلاقات وإنتاجيتها هي نتاج لفكر المؤسسة، لذا فمن الضروري أن تعتمد في أول طريقها على الطاقات والكفاءات البشرية لضمان الانطلاقة الناجحة، واستثمار رساميل التنمية.
لقد بات من اللازم السهر على حسن هيكلة المؤسسات بجعلها في خدمة أولويات الحياة العامة، واعتماد جدية وحكامة التسيير والتدبير لجميع مرافقها كمبدأ أساسي وحاسم، ولن يتأتى هذا الأمر عدا من خلال احترام قيودها وضوابطها، فالممارسة في إطار الجودة هي الكفيلة بالتأسيس لفكر المؤسسة الذي يضمن تطور الأداء، وينتج عن تبني العقلانية كشرط هام في انتقاء معاييرها، إلى جانب وضع الأسس والقواعد الكفيلة بتحقيق التنمية السسيواقتصادية، التي تعد نتيجة مباشرة للتنمية البشرية، فغياب آليات الضبط في توجيه المؤسسات يحول دون خلق فكر مؤسساتي بإمكانه التأسيس لسلوك مدني سليم .
إذا علينا أن نمتلك شجاعة الاعتراف جميعا بأن تكريس مقومات ثقافة الانضباط، والالتزام بأساسيات الجو العام، واحترام أدوار المؤسسات، وتداخل أدوارها، من قبل جل الأطراف المتفاعلة والمتدخلة، هي الحل الأمثل لبناء فكر الممارسة في إطار دولة المؤسسات، مما يدفع بدورة العمل الإداري المؤسساتي إلى ضبط التصورات وجعلها منسجمة مع متطلبات الشأن العام.
من دون شك فإن الحلقة المفقودة في المعادلة كلها هي غياب منهجية التخطيط واستراتيجيته، إلى جانب إهمال الإدارة بالأهداف، فجمود المؤسسات هي نتيجة حتمية لانعدام فكر مؤسساتي متأصل ومبني على قواعد تعتمد بالأساس على الدينامية الجماعية والقناعة الراسخة باعتماد روح الفريق.

أترك ردا أو تعليقا مساهمة منك في إثراء النقاش

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: