آخر المستجدات

إلى أسرة التعليم وعموم المغاربة

عاصم منادي الإدريسي

Assem1يشير الطغيان كمفهوم إلى التجبر والاعتداد بالذات، في مقابل احتقار الآخرين والحط من قيمتهم ومعاملتهم بطريقة تخلو من الاحترام. أما في الممارسة فيدل الطاغية على الحاكم السياسي المستبد بالقرار، إنه الرجل الذي يتمسك بتصوره الشخصي للقضايا والمشاكل السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ويميل إلى إجبار كل من هم تحت إمرته على الخضوع لقراراته والالتزام بها مستخدما كل الأدوات والوسائل بما في ذلك العنف والقمع والتهديد والتعذيب والقسوة.

يرفض الطاغية أن يتقبل أي مشورة أو نصيحة أو أي شكل من أشكال تقاسم السلطة والرأي. ويعيش على خوف الناس وجبنهم ورعبهم من قسوته. ولذلك لا يتقبل نهائيا أن يظهر بين الجموع من يتحدى قراراته أو يعترض على سياساته وينبهه إلى أخطائه وعيوبه. وأكثر ما يخشاه الطاغية أن تسقط هيبته أو تنفضح هشاشة قوته، وبما أنه جبان بطبعه فإنه يبادر إلى ممارسة العنف بقسوة شديدة كلما لاح له شبح الاحتجاج والرفض لقراراته.

يهتم الطاغية لهيبته ومصالحه ومصالح المقربين منه، وآخر ما يفكر فيه هو مصالح الشعب وعامة الناس، لذلك يحرص على حماية مصالح الأغنياء وذوي السلطة والنفوذ ليضمن استمرارهم في دعمه وبقائه في الحكم.
غير أن الطغيان ليس حليبا يرضعه الشخص من ثدي أمه، بل هو صناعة التربية الاجتماعية/الدينية التي تحول الشخص من فرد عادي إلى طاغية مستبد. فاجتماع جماعة من الناس حول شخص ما ورجوعهم إليه في الصغيرة والكبيرة، وأخذهم بآرائه وأفكاره وأحكامه يجعلهم مع مرور الزمن متمسكين به مسلمين بصحة ما يقول وما يفعل، بل ومستعدين لمهاجمة من يشكك فيه أو يعترض عليه أو يفضح مغالطاته. وعندما يتنبه الزعيم إلى السلطة التي بات يتمتع بها يحرص على تكريسها وتقويتها من خلال تظاهره بالتمسك بمعتقدات جماعته والدفاع عنها وحماية مصالحهم وتحقيق رغباتهم. وبما أن ثقتهم فيه تنبني على العاطفة والوجدان فقط، فإنه يركز كثيرا على دغدغة عواطفهم ومشاعرهم وإثارتهم خطابيا بما يعرف أنهم يحبون سماعه.

مرت بذهني هذه الأفكار والصفات وأنا أسمع بالأمس إلى حديث رئيس حكومتنا السيد بنكيران وهو يتحدث عن الإصلاح المزعوم لملف التقاعد وقضية الأساتذة المتدربين. وبصراحة لا يسعني أن أنكر أنني اكتشفت بالأمس أن الرجل ليس. ظاهرة صوتية عادية كما كنت أتصور. بل إن الواقع يؤكد أننا نواجه أحد أكثر السياسيين ديماغوجية وتضليلا وصنعا وأبرعهم في بيع الأوهام والخرافات. بل ويمكنني القول بثقة أن الرصيد الحقيقي الذي يميزه عن غيره من القادة السياسيين هو ديماغوجيته المضللة.
وهي الديماغوجية التي سرعان ما تلقفت مضمونها الكتائب الإلكترونية لحزب “الزعيم الذي لا يخطئ” وبدأت تروجها في المواقع الإلكترونية للحفاظ على آخر قطرة من ماء وجه حزبهم الحاكم وقادته. لذلك لا بد من أن نسائل هذه الخرافات التي قدمها الزعيم كمبررات لقمع الأساتذة المتدربين.

  1. بداية أكد السيد بنكيران أن الأساتذة المتدربين كانوا على علم بالمرسومين قبل التحاقهم بالمراكز، ومن ثمة فإن احتجاجاتهم غير قانونية، وهي الحجة التي رددها الكثير من ببغاوات الحزب الحاكم وعبيد زعيمه. غير أن هذه الحجة التي تبدو ظاهريا صلبة سرعان ما تتضح هشاشتها  عندما نعلم بأن المرسومين ظهرا في الجريدة الرسمية بعد ظهور نتائج امتحانات المراكز الجهوية للتربية والتكوين بعدة أيام، ومعلوم أن القانون لا يصبح ملزما إلا بعد صدوره في الجريدة الرسمية. ناهيك عن أن المحاضر التي وقعها الملتحقون بالمراكز نصت على صفة “الأستاذ المتدرب” وليس الطالب الأستاذ كما يدعي المسؤول الرسمي.
  2. ثم إن قرار رئيس الحكومة كان انفراديا لم يشرك فيه أحدا كما هو دأبه، استغل فيه العطلة الصيفية ليمرره دون محاسبة تذكر. وبما أنه قرار يمس في الصميم مبدأ التوظيف بصفته حقا لأبناء الشعب، فمن الطبيعي ألا يعترض عليه إلا من يحمل صفة الأستاذ المتدرب. أم أن السيد بنكيران وببغاواته كانوا ينتظرون أن يعترض عليه الباعة المتجولون والبقالون والجزارون مثلا ؟؟!!!!!!

اتهم رئيس الحكومة في خرجاته الإعلامية الأساتذة المتدربين بخرق القانون وعرقلة عمل “رجال الأمن”، ومن ثمة حملهم مسؤولية المجزرة التي حصلت أمام المركز الجهوي بإنزكان. لذلك ينبغي علينا فضح هذه الكذبة، فالأساتذة كانوا يقفون أمام باب المركز رافعين شعاراتهم منددين بالمرسومين، مرددين لشعار “سلمية سلمية…لا حجرة لا جنوية” في حين كانت قوى القمع مجهزة للتدخل بعدما تلقت تعليمات واضحة بقمع الوقفة بطريقة قاسية لا يتجرأ بعدها الأساتذة المتدربون على التفكير في وقفة أخرى. لذلك نترك لرئيس الحكومة وجماعة “المرايقية” بضعة تساؤلات تحتاج للإجابة.

نظم الأساتذة المتدربون مسيرات جهوية ووطنية كانت نموذجا في التنظيم والسلامة واحترام الفضاءات الخضراء وعدم المساس بأمن المواطنين وممتلكاتهم. فلماذا يتم اتهامهم اليوم بعرقلة عمل الأمن وتهديده؟ ما التهديد الذي كان يحمله هؤلاء الشباب العزل، وهم محاصرون بكتائب متنوعة من القوى القمعية؟ ما هي أسلحتهم؟ يعرف الكل أنكم أعجز من أن تنطقوا بالحقيقة.

وفي الوقت الذي كنا ننتظر فيه من حكومتكم أن تبادر للحوار الجاد والمسؤول مع الأساتذة المتدربين، خلقتم قصة المؤامرة ضد حكومتكم واتهمتم جهات ما بالوقوف وراء نضالات هذه الفئة وتحريكها، وهي مبرر سرعان ما ظهر تفاهته وسقوطه. ورغم ذلك لم يتخل جنابكم عن العناد والغطرسة والتعنت في مظهر يؤكد الميل الطبيعي الذي تحملونه نحو الغطرسة والحكم الفردي وفرض الرأي الخاص حتى لو تبين تناقضه.

إن الطريقة التي تحدثتم بها يا جناب رئيس الحكومة في البرلمان، واللغة التي استخدمتموها (ومعكم وزراؤكم في الداخلية والاتصال والميزانية) تبين لنا طبيعة المشروع الاجتماعي والتدابير التي أعددتموها لحل المشاكل الاجتماعية من بطالة وفقر وتهميش…وهي طريقة سحرية تصلح في اعتقادكم لحل مختلف المشاكل. إنها طريقة القمع والعنف والتنكيل البشع بالمحتجين والمعارضين لسياساتكم والرافضين لقراراتكم. وهذا ما أكده توعدكم للأساتذة المتدربين بالتدخلات القمعية لكل وقفاتهم ومسيراتهم واعتصاماتهم ودعوتكم وزير الداخلية إلى تنفيذ هذه التعليمات بحذافيرها مهما كلف الأمر.

نحن نفهم ورطتكم يا رئيس الحكومة، ونفهم حقدكم الدفين على الطبقات الشعبية التي سحقتموها بزياداتكم التي لا تتوقف، ونفهم كذلك رغبتكم في تركيع نساء ورجال التعليم. لكننا لا نفهم ولا نستطيع أن نتقبل تغولكم علينا واستعدادكم للتضحية بنا من أجل التمسك بقراركم الشخصي. إن الطاغية وحده من يهاب احتجاجات الناس ويخشاهم، لأنه يبتعد عنهم عندما تعارض سياساته مصالحهم ويلجأ لقمعهم وإرعابهم حتى لا يفكروا في الاحتجاج مجددا.

لقد بتنا يا جناب رئيس الحكومة نشاهد بحسرة تضييقكم المستمر على حرياتنا والتقلص التدريجي لهامش حقوقنا إلى حد نخشى معه أن نجد أنفسنا ذات يوم نعيش لحظة الجمر والرصاص. كنا ننتظر أن تتخلوا عن عنادكم ورغبتكم في التغلب وأن تتصرفوا بحكمة وتتجنبوا خلق أسباب مجانية لتعميق مأساة شريحة واسعة من أبناء وطننا. لكن تعصبكم لرأيكم واعتمادكم على القوة والقمع المتوحش لفرضه، لن يؤدي أبدا إلى الحل. فالتجارب التاريخية القديمة، والحية في البلدان المجاورة أثبتت بالدليل فشل المقاربة الأمنية في حل المشاكل الاجتماعية. إن العنف يصنع العاهات ويخلف الكسور والجروح الغائرة والندوب الظاهرة. لكنه ضعيف جدا أمام القناعات والمبادئ. ولذلك فمهما قمعتم ومهما نكلتم ومهما لاحقتم ومهما توعدتم ومهما سجنتم فستظلون مثل فزاعة فارغة لا تخيف أحدا. إن عموم المغاربة اليوم لن يقبلوا بطغيانكم وغطرستكم مهما كان الثمن، فما بالك بنساء ورجال التعليم.

المرجو عند كتابة التعليق أو الرد عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص و احترام الرأي الآخر، والابتعاد عن السب و الشتائم.

أترك ردا أو تعليقا مساهمة منك في إثراء النقاش

%d مدونون معجبون بهذه: